كما في حياته، كان في استشهاده الحاضر الأول، إنه القائد الشهيد ياسر عرفات، الذي سبب للمحتل صداعاً وهاجساً مرعباً في حياته ومماته، وبصفته مفجر الثورة الفلسطينية وزعيماً عالمياً دعم وساند حركات التحرر الدولية، فإن ظروف استشهاده ظلت مثار نقاش وبحث، ويبدو أن هذا البحث سيستمر طويلاً، وربما يمتد عقوداً قبل أن يتم الوصول إلى الحقيقة الكاملة لاستشهاده.
الحقيقة الساطعة أن سبب استشهاد عرفات ليس طبيعياً، وإنما بفعل فاعل، الفاعل المعلوم المجهول، بمعنى، أن هناك إجماعاً على أن الاحتلال هو الذي اغتال عرفات، ولعل كل التصريحات الإسرائيلية في حينه التي أكدت ضرورة التخلص منه على اعتبار أنه عقبة، وليس ذا جدوى، هي أساسٌ لما حدث بعد ذلك، وهي التي تجزم أيضاً بمسؤولية الاحتلال الكاملة عن ارتكاب الجريمة.
لم تكن هناك شكوك بالمطلق لدى الجانب الفلسطيني حول دور الاحتلال المركزي والأساسي في اغتيال عرفات، ولكن التساؤل كان حول أُسلوب الاغتيال والأيدي التي نفذته، دون تبرئة أي أحد، وبناء على ذلك جاء تشكيل لجنة التحقيق الوطنية للإجابة عن مجمل التساؤلات التي كانت تبدو لغزاً كبيراً محيراً، خاصةً أن التقرير الطبي الفرنسي شابهُ كثيرٌ من الغموض والقصور، ولعل معظم الفلسطينيين قد شكك في معطياته، متسائلاً هل أخفى الفريق الطبي الفرنسي معلومات مهمة لأسباب سياسية، أو بمعنى آخر هل توصل مستشفى بيرسي العسكري إلى نتائج مؤكدة، ولم ينشرها لأن نشرها في حينه كان سيؤدي إلى خلط الأوراق السياسية وسيحمّل إسرائيل حملاً أثقل مما تتوقع.
ولهذه التساؤلات مشروعية كبيرة بعد ما نُشر حول قيام الفريق الطبي المعالج بإتلاف العينات الخاصة بالشهيد بما فيها عينات الدم، علماً أن القانون يجبر المستشفى على الاحتفاظ بهذه العينات عشر سنوات بالحد الأدنى، فلماذا أُتلفت؟ هذا إن كانت فعلاً قد أُتلفت.
أما المفصل الآخر في جريمة الاغتيال فتمثل في التحقيق الاستقصائي الذي نشرته فضائية الجزيرة العام الماضي والذي أكدت من خلاله اكتشاف مادة البولونيوم السامة بنسب عالية مثيرة للشك في ملابس الشهيد، ليبدأ بعدها الفصل الثاني من قضية ستظل تقض مضاجع القتلة، وبناءً على ذلك لم تتردد القيادة في تقديم كل العون إلى الفريق السويسري للاستمرار في البحث الطبي حول أداة الجريمة، وأشركت أيضاً كلاً من روسيا وفرنسا.
وفي الوقت الذي جاءت فيه نتائج التقرير السويسري مطابقةً للفرضية الأولى القائمة على استخدام البولونيوم في الاغتيال، وأكد أن نسبة البولونيوم المكتشفة في العينات المأخوذة من رفات الشهيد تبين أنها أعلى بـ 18 مرة من النسبة الموجودة في جسم الإنسان بشكل طبيعي، فإن التقرير الروسي أكد، أيضاً، أن وفاة عرفات لم تكن طبيعية بسبب العمر أو مرض ما، ولكنها نتجت عن السم، ودون أن تجزم بماهية المادة المسممة، فإنها أكدت فرضية الاغتيال المتعمد.
وبالنسبة للتقرير الفرنسي الذي لم يسلّم بعد، فلا نتوقع أن يكون مغايراً، ولكننا نفترض أنه سيكشف عن معلومات جديدة لم يكشف عنها الفريق الطبي المعالج في حينه، ربما لأسباب فرنسية مجهولة.
أما الفصل الثاني الذي سيفتح في هذه الجريمة فهو الجزء الثاني من التحقيق الذي ستبثه قناة الجزيرة الأحد المقبل، والذي يتناول بعض الأمور المقلقة والخطيرة، والتي جاءت في مقطع ترويجي للتحقيق والذي يظهر فيه أحد الخبراء الروس مشككاً بمصداقية التقرير، ويؤكد تسييسه بالكامل، وأن الفحوص لم تُجرَ إلا على ثلاث عينات، وأن العينات الأُخرى العديدة أُخفيت بشكل ما ... هي اعترافات خطيرة ومرعبة إذا ما صحت هذه الادعاءات، وسيكون هناك ما يقال بعد بث التحقيق كاملاً.
أما المفصل الثالث والأهم في هذه القضية، فهو الدور المناط بلجنة التحقيق الفلسطينية التي يرئسها اللواء توفيق الطيراوي، والتي أصبحت مهمتها الآن أكثر أهمية، ومسؤوليتها الوطنية والتاريخية أكثر ثقلاً من خلال الإجابة عن السؤال الرئيس، وهو: كيف وصل الاحتلال إلى الرئيس الشهيد؟ وهل لبعض العملاء المأجورين ممن ينتسبون إلى الشعب الفلسطيني يد في ذلك؟
رئيس لجنة التحقيق يقول إنه تم استجواب أكثر من 400 فلسطيني من قمة هرم السلطة وحتى مواطنين بسطاء كانت لهم علاقة مباشرة أو غير مباشرة، وأن هناك من بين المستجوبين من أُخذت إفادته مرتين، ومنهم من أدلى بمعلومات متناقضة، ولكن مع مئات عدة من صفحات الإفادة فإن الدوائر بدأت تضيق، وأصبحت أكثر وضوحاً، فيما الشعب لا يرغب في الانتظار كثيراً للوصول إلى الأيدي التي نفذت أو ساعدت في تنفيذ الجريمة، لأن الكشف عن الحقيقة كاملة يعني ملاحقةً كاملة للقتلة.
إن دم الشهيد عرفات سيظل دَينا في رقبة كل مسؤول فلسطيني حتى يتم القصاص من القتلة، وحينها نستطيع القول إن فصلاً جديداً من فصول ملحمة الزعيم الشهيد أبو عمار قد انتهى، ولكن هناك فصولاً ربما لم تبدأ بعد.


