خبر : في أخلاقيات الاختلاف ...فاروق وادي

الجمعة 08 نوفمبر 2013 07:01 م / بتوقيت القدس +2GMT



لم يدهشني وصول الرسالة التالية من الصديق الكاتب والمثقف الفلسطيني صقر أبو فخر، رداً على ما جاء في مقالتي "عنصريّة في مواجهة العنصريّة" المنشورة في هذه الزاوية على حلقتين (27 أيلول ـ و4 تشرين الأوّل 2013)، والتي أرادت أن تكون مساجلة ثقافيّة للأفكار التي حفلت بها مقالة للصديق أبو فخر حملت عنوان "وهم التفوق الحضاري"، ونشرت في جريدة "القدس العربي" اللندنيّة (19/9/3013).

أول ما يلفت الانتباه في رسالة الصديق صقر، هي تلك الدرجة العالية من النبل الأخلاقي الذي لا يتوافر لدى عدد كبير من المثقفين، مع الحرص على التمسُّك بالقيم واحترام مبادئ الحوار في حالات الاختلاف السياسي والثقافي مع الغير.
ولأنني أعتقد أن للطرف الآخر، الذي اختلفتُ معه، كامل الحق في إبداء وجهة نظره والدفاع عن موقفه وتوضيحه، بغض النظر عن مدى اتفاقي أو اختلافي معه، فإنني أجد أن من واجبي، بل ولزاماً عليّ، تهيئة الفرصة للتعبير عن حقّه في الاختلاف في المكان الذي نشرت فيه وجهة نظري، وأعني هذه الزاوية.
* * *
كتب صقر أبو فخر يقول:
".. قرأت ردك على مقالتي، وفرحت له، ولعلني لا أختلف معك في معظم ما ورد فيه إلا عبارة "العنصرية المضادة".
ومع أنك قلت إن موقفي يهدف، أساساً، إلى مواجهة العنصرية وهذا صحيح.
فأنا مشتبك مع العنصرية أينما وُجدت، في لبنان أو في مصر أو حتى في فلسطين نفسها، لكن بمنهجية تفكيك العنصرية والسخرية منها واكتشاف ضحالتها وخطرها، لا من باب العنصرية المضادة.
وفي ملحق "فلسطين" الذي أتولى إصداره في جريدة "السفير" منذ أربع سنوات، وكم أتمنى أن تكتب ما تريد فيه، أحاول دائماً أن أجعل من فلسطين عربية تماماً، بالحديث الدائم عن العرب في فلسطين، وعن الشهداء العرب في الثورة الفلسطينية، ولا سيما المصريين، وعن دور المناضلين العرب في النضال الفلسطيني منذ القسام حتى خالد أكر، وعن دور العرب في الثقافة الفلسطينية قبل 1948، وعن دور الفلسطينيين في الثقافة العربية.
وذلك كله لتخليع أنياب العنصرية التي أصابتنا بما تعرف في لبنان.
ولا أتوانى عن نقد "الوطنية الفلسطينية الجديدة" التي طالما أدارت ظهرها إلى العرب ولا تكف عن تحقير العرب، وأنا كما تعرف أحتقر "الوطنية الفلسطينية المعادية للعروبة".
لقد أحببت أن أوضح لك هذا الأمر، وهو واضح لك تماماً كما اعتقد".
* * *
إلى هنا، انتهى الجانب الموضوعي من الرسالة.
والحقيقة أن أجمل ما فيها تضمنها لجوانب شخصيّة وإنسانيّة في العلاقة التي تشكّلت بيننا على مدى تاريخ طويل وتجارب مشتركة.
فقد جاءت الرسالة متضمنة أخباره وأخبار عائلته، وسؤاله عن عائلتي فرداً فرداً، وحديثه عن أصدقاء مشتركين، ومتابعته لبعض ما أكتب في هذه الزاوية.
كلّ ذلك، صنع في رأيي أرضيّة إنسانيّة عريضة وراسخة لا تعرف الاهتزاز نتيجة خلاف فكريّ أو اختلاف في الرؤية.
فتلك تفاصيل لم تكن نافلة، بل جاءت لتؤكد أن مثل هذه الاختلافات، التي تفاقمت بين أصدقاء ورفاق وأحبّة على ضوء الأسئلة التي طرحها "الربيع العربي" (وهو التعبير الذي لا يشذّ نفسه عن تلك الخلافات والاختلافات)، يجب أن تنهض على احترام البشر، ومنهم المثقفون، بعضهم بعضاً، ومحاورة الواحد للآخر دون التخلي عن مبادئ التقدير المتبادل والنقد الموضوعي وعدم التنازل عن تلك الحميميّة الإنسانيّة التي تجمعنا، لتظلّ تحول دون الارتفاع بتناقضاتنا الثانويّة التي يحلّها الحوار، إلى مستوى التناقض التناحري.
ولولا خوض الرسالة في تفاصيل شخصيّة بالغة الخصوصيّة، قد لا تهمّ القارئ ولا تعنيه، لأقدمتُ على نشر الرسالة بالكامل، كنموذج يحتذى لأخلاقيات الاختلاف.
ولعلي وصقر، وإذ عبّرنا عن شيء من خلافاتنا السياسيّة واختلافاتنا الثقافيّة، نظل متفقين على الشعار المجيد الذي شكّلته عبارة الإمام الشافعي عميقة المعنى، والتي لا أكف عن ترديدها كلما دعت الضرورة: "رأيي صواب يحتمل الخطأ.. ورأي غيري خطأ يحتمل الصّواب".
وإذا كان لا بدّ لي من أن أعتذر، فإنني أعلن اعتذاري عن أيّة قسوة تضمنها ردي، وردت ضمن عبارة هنا أو هناك، علماً بأنني لم أتطرق إلاّ للنّص الذي عكفتُ على قراءته، ولم أشمل النصوص الأخرى التي أشارت إليها رسالة صقر، والتي لا أشكّ في وجودها، ليس لأنها لم تكن في متناول اليد فحسب، ولكن لأن مقالتي لم تطمح للذهاب إلى خارج النّص الخاضع للنقاش أو تجاوزه.
وفي كلّ الأحوال، فقد حاولت، قدر المستطاع، أن أتجنب "قسوة المُحبّ"، آملاً أن لا تكون قد جذبتني عنوة. وإلا، فإن ما يغفر لي.. هي كونها كذلك!

wadi49@hotmail.com