خبر : مشكلة البدايات في نشوء الدول العربية ...بقلم: محمد ياغي

الجمعة 08 نوفمبر 2013 06:59 م / بتوقيت القدس +2GMT



الحروب تنشئ الدول، والدول تقوم بعمل الحروب.. هذه المقولة الشهيرة للباحث في علم الاجتماع السياسي "تشارلز تيلي" تفسر ظاهرة نشوء الدول في العالم منذ بدايات القرن السابع عشر. أُمراء أكثر من 140 دولة في الإمبراطورية الرومانية والذين أنهكتهم ما عرفت بـ "حرب الثلاثين عاما" فيما بينهم قرروا في ويستفاليا بألمانيا 1648 تقسيم الإمبراطورية فيما بينهم. الاتفاق تضمن إنشاء عدد من الدول لكل منها حدودها وسيادة على شعبها لا تنازعها فيها دولة أُخرى.

لم تكن لهده الدول جيوشٌ مركزية ولم يكن لها شرعية غير شرعية اتفاق الأمراء الأقوياء فيما بينهم. الدول خاضت حروبها الداخلية لإخضاع الأمراء الأضعف وبنت جيوشها المركزية على أنقاضهم، واكتسبت شرعيها بقدرتها على فرض الأمن لسكانها وحماية حدودها المتفق عليها.
ما تبع ذلك هو عملية بناء "الدولة الأمة" بمعنى خلق الروابط المشتركة بين عشرات الجماعات المكونة للدولة من خلال التعليم لتوحيد اللغة ونشر ثقافة مشتركة وبناء اقتصاد فاعل وأخيراً وعبر الصراع الداخلي بين من يملك الثروة ومن يفتقر لها تم القيام بالمساومة التاريخية التي خلقت دولة المواطنة التي يتمتع جميع سكانها بنفس الحقوق والحريات والواجبات.
المساومة والتي جاءت بالتدريج وعبر الصراع أيضا كانت في إعطاء من يملك الثروة الحق لمن لا يملكها في الانتخاب لتقرير من يحكم وفي بناء نوع من الحماية الاجتماعية للسكان لتفادي الثورات التي قد تنشأ بسبب الفقر وهو ما قد يهدد أصحاب الثروات وممتلكاتهم.
دول القرن الثامن عشر والتاسع عشر في أوروبا ليست بالتأكيد دول القرن العشرين. الدولة لم تحتكر السلاح في بداية نشوئها، وشرعيتها لم تكن محل إجماع من قبل مواطنيها.. ولكنه التطور الطبيعي الذي تخلله صراع دموي هو الذي أنتج الدولة-الأمة التي نشاهدها اليوم في أوروبا وأميركا وكندا، وقد تتطور لاحقاً لشيء آخر لا يمكننا التنبؤ به الآن.. الوحدة الأوروبية أحد نماذج هذا التطور.
دول العالم الثالث تختلف في نشأتها وفي ظروف تطورها، مثلاً، الحدود التي صنعت دول أفريقيا جميعها تعود الى اتفاق بين بريطانيا وفرنسا وبلجيكا العام 1882، ونشوء دول العالم العربي يعود إلى اتفاقية سايكس بيكو بين بريطانيا وفرنسا. مشكلة الحدود خلقت معها مشكلة الأقليات والطوائف. في أوروبا تم التغلب على ذلك عبر صراع دموي انتهى بتحول الدولة الى دولة- الأمة.
في العالم العربي قلدت بعض هذه الدول التي استقلت منذ ستة عقود مثل مصر والعراق وسورية والجزائر الدول الأوروبية في محاولة منها لبناء دولة-الامة من خلال التركيز على بناء جيوش مركزية واقتصاديات فاعلة باعتبارها اللبنات الأولى للدولة المنشودة.. لكن هذه المحاولات جاءت في أجواء مختلفة تماما عن تلك التي توفرت لأوروبا قبل ثلاثة عقود.
الحرب الباردة كانت قد بدأت، وصراع الدول الكبرى فيما بينها جاء على حساب وعلى أراضي هذه الدول. الصراع داخل هذه الدول لم يعد شأنا داخليا كما كان عليه الحال في أوروبا ولكن مسألة عالمية للمعسكر الشرقي والغربي رأي فيه وفي تطوره. والصراعات الإقليمية لم تكن نتيجة خلافات مباشرة بين الدول نفسها بل ارتدادا لصراع عالمي أكبر وأوسع. مثلاً، لو لم يكن هنالك صراع بين المعسكرين الشرقي والغربي لما حدثت حرب العام 1967، ولو حدثت في غياب هذا الصراع لكانت نتائجها مختلفة أيضاً.
مشكلة البدايات في العالم العربي والعالم الثالث عموماً لم تتوقف على فرض حدود لدول محمية بقرار عالمي لم يتفق أصحابها عليها، ولا عند الحرب الباردة التي فرضت نفسها عليهم ولكنها اشتملت أيضاً على فرض شروط اقتصادية لا تسمح لهذه الدول ببناء اقتصاديات فاعلة تعطيها شرعية الإنجاز على الأقل لتخفيف حدة صراعاتها الداخلية، على عكس بدايات الدول الأوروبية التي قامت ببناء صناعات داخلية وقامت بحمايتها بتعرفات جمركية عالية مستفيدةً أيضاً من الكم الهائل من المواد الخام التي أحضرتها لبلادها من مستعمراتها في العالم الثالث.. الدول العربية فرض عليها من خلال البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلغاء تعرفتها الجمركية التي تحمي صناعاتها، تخلي الدولة عن القطاع العام، والتوقف عن عملية الإصلاح الزراعي وهو ما أدى بطبيعة الحال الى انهيار الصناعة، وزيادة فقر شرائح عالية من الناس، وانهيار الخدمات.
النتيجة بطبيعة الحال أن الدولة غير الفاعلة اقتصادياً وأمنياً تفقد شرعيتها لأن الناس في ظل عدم قدرة الدولة على القيام بوظائفها تلجأ الى الروابط العائلية والطائفية والإثنية التي توفر لها قدراً من الحماية والأمان الاقتصادي، ولكنها أيضاً تتسبب في الصراع على الدولة نفسها لما في ذلك من امتيازات وهو ما يؤدي الى زيادة حدة الصراع فيما بينها نفسها.
هذا الصراع كان من الممكن ان يؤدي في نهاية المطاف الى بناء دولة-الأمة في العالم العربي لو كانت الشروط هي نفسها التي وجدت للدول الاوروبية في القرن السابع عشر.. لكنها ليست نفسها. عملية بناء دولة الامة في العالم العربي على الطريقة الأوروبية تعيقها شروط دولية أكبر من الدول العربية ونخبها وهو ما يفرض عليهم اختيار طريق التوافق، لا طريق الصراع، الذي يؤدي في نهاية المطاف الى سيطرة جهة على أخرى. هذا لا يحمي الدولة من الشروط الخارجية المفروضة عليها ولكنه يجعلها اكثر ضعفاً أمامها.
فقط بالتوافق بين النخب، في قدرتهم على التوصل لقواسم مشتركة يمكن بناء دولة الأُمة التي يقبل المواطنون فيها بحق الدولة في احتكار وسائل العنف وفي شرعية ممارسته. بخلاف ذلك لا فرصة للعرب لبناء دول قوية وفاعلة لأن الشروط الخارجية المفروضة عليها تعمل وستبقى تعمل على إضعافها وتمزيقها وفشلها.