خبر : زفرة العربي الأخيرة ....بقلم: د.عاطف أبو سيف

الإثنين 04 نوفمبر 2013 10:26 ص / بتوقيت القدس +2GMT
زفرة العربي الأخيرة ....بقلم: د.عاطف أبو سيف



ثلاث سنوات مضطربة في إقليم مضطرب متناحر كان مسرحاً للصراعات الدولية وساحة اشتباك وتوتر خلال الحرب الباردة.

لكن هذه المرة كانت الاضطرابات متنوعة ومتفرقة واشتملت على عناصر تفجير متعددة منها ما هو بين الدول في المنطقة ومنها ما هو بين المجموعات العرقية داخل الدولة الواحدة، ومنها ما بين المجموعات السياسية المتصارعة على السلطة.
والأهم هو التدخل الدولي المهول والمسلح في بعض المرات مثلما حدث في ليبيا أو التدخل عبر توفير السلاح والمال والدعم اللوجيستي لبعض اطراف الصراع على حساب البعض الآخر.
وليس أقل أهمية من ذلك هو تشغيل ماكينات الإعلام الدولي لشيطنة طرف لصالح طرف آخر واستنفار أجهزة المؤسسات الدولية من أجل استصدار قرارات ضد أطراف بعينها.
وبكلمة أخرى فإن منطقة الشرق الأوسط مرة أخرى أصبحت ساحة للتنافس بين القوى الدولية ولفرد العضلات والإرادات ولتبني المواقف التي تعبر عن توجهات متباينة في السياسة الدولية.
فمنذ تم تقسيم المنطقة العربية إلى دويلات وتم غرس إسرائيل بقرار استعماري كانت ذكراه السيئة قبل يومين (وعد بلفور) ومن ثم بقرار التقسيم وانتهاء الحرب العالمية الثانية، تحول الشرق الاوسط إلى ساحة اشتباك بين المعسكرين الأكبرين.
والمفارقة أن العرب كانوا أدوات في هذا الصراع. فحتى حليف العرب الكبير في ذلك الوقت الاتحاد السوفييتي لم يوفر لهم إلا السلاح، وهو السلاح الذي لم يرق لمنافسة الترسانة العسكرية التي صارت تنمو في قواعد الجيش الإسرائيلي.
ففيما ساعد الغرب إسرائيل في امتلاك السلاح النووي (عبر فرنسا) وفي بناء مصانع عسكرية تضاهي المصانع الأميركية والبريطانية فإن المعسكر الشرقي لم يقدم للعرب اكثر من الطائرات والصواريخ والأسلحة القتالية.
وبالطبع الدعم السياسي في المؤسسات الدولية، وهو دعم لم يصل للحد المطلوب مثلما كانت حالة التعاضد الدولي والوفاق الكوني على خلق إسرائيل من العدم.
بعض القرارات كان للنضال التحرري الفلسطيني ونشوء منظمة التحرير الفضل الكبير في فرضها خاصة مع انتشار موجة التحرر والخروج من نير الاستعمار.
كانت النتيجة واضحة مع سقوط جدار برلين وانهيار المعسكر الشرقي وتفرد الولايات المتحدة بقيادة المشهد الكوني حيث صار يطلق عليها القوة "الهيبر" وليست السوبر.
من تبعات ذلك كان إعادة ترتيب المشهد في الشرق الأوسط وفق الرؤية الأميركية حيث تم إطلاق عملية سلام واسعة في الشرق الأوسط بعد ضرب العراق في عملية ثعلب الصحراء.
وكانت قاعدة الترتيبات الجديدة في المنطقة هي ضعف المكون العربي في المشهد وخضوعه لعمليات تحول وفق رؤى القوة الكبيرة في المنطقة: الولايات المتحدة.
شهد ذلك تراجعا في الدور الروسي وبداية صعود واضح للدور الأوروبي خاصة في عملية السلام مع تبني الاتحاد للسياسات الخارجية والأمنية المشتركة بعد اتفاقية ماسترخت.
بيد أن المشهد لم يعد كما كان عليه مع اندلاع شرارة الربيع العربي مع اشتعال جسد الشاب التونسي "بوعزيزي" ومن ثم سقوط نظام زين العابدين بن على في تونس ونظام مبارك في مصر.
شهد الإقليم سلسلة من التغيرات التي مست ليس فقط طبيعة اللاعبين فيه بل أيضاً نسيج العلاقات وشبكة التفاعل الإقليمي والدولي.
وفيما حسمت الجماهير الغاضبة نتيجة الحراك الشعبي في مصر وتونس فإن قنابل حلف الناتو حسمت الأمر في ليبيا لصالح خلع القذافي، فيما نجحت البحرين بمساعدة خليجية في ردع المتظاهرين في ميدان اللؤلؤة، فيما ساهمت ترتيبات انتقالية في تلبية رغبات المواطنين الغاضبين في اليمن كفلت ازاحة الرئيس صالح.
مقابل كل ذلك ظل الوضع في سورية يراوح مكانه.
نتج عن هذا المفارقة الكبرى الكامنة في حقيقة أن الخلافات على التغير والتحول في البلدان العربية وجدت صداها في مواقف الدول الكبرى وفي مواقف الدول المؤثرة في الإقليم.
وفيما يمكن تفهم الخلافات الدولية ضمن مفهوم المصالح ونزوع كل دولة كبرى في العالم لضمان عدم اهدار مصالحها مع هذا النظام او ذاك، وربما كان الحال في سورية هو الأبرز في ذلك، فإنه من الصعب تفهم لماذا ثمة "مواقف" عربية تجاه قضية تمس جوهر المصالح العربية.
فمنذ البداية وفيما كان واضحاً ان الحروب الداخلية في سورية لن تقود إلى شيء أقل من تمزيق وحدة سورية ووحدة الجيش السوري وما تبقى من قواه، فإن الدول العربية اختلفت، فمنها من دعم هذا الطرف ومنها من دعم نقيضه.
وفيما أيضاً كان واضحاً أن الاخلاق والمنطق كما الضمير توجب الوقوف بجانب الشعب السوري فإن ذات الاخلاق والمنطق والضمير كشفت عن أن المستهدف من وراء هذه الحروب هي وحدة سورية ومستقبلها، لذا كان يجب الوقوف ودعماً لمصلحة الشعب السوري بحزم ضد تمزيق سورية وتدميرها.
إلى جانب ذلك ثمة حالة تغير بطيئة ترمي بظلالها على المشهد في الإقليم وهي تصبح أكثر وضوحاً مع الوقت. فالصوت الصيني المتصاعد في المشهد الدولي بات أكثر وضوحاً وأكثر تعبيراً عن نفسه.
فبكين لم تعد تقنع بأن تتم إعادة رسم المشهد في واحد من أهم الأقاليم في العالم دون أن يؤخذ رأيها، كما أن الاكتفاء بالتعبير عن الرفض دون تحريك ساكن لم يعد يقنع بكين.
إلا أن الأهم بالطبع هو ظهور النزعة الروسية لاستعادة صدارة روسيا في آخر قلاعها على المياه الدافئة القريبة.
من الواضح أن روسيا "البوتينية" لاسيما بعد عودة بوتين إلى الرئاسة مرة ثانية مصرة على أن تكون صاحبة تأثير في مستقبل المنطقة. تركيا يبدو أنها تدرك انها تفقد عمقها الاستراتيجي بسبب سياسات أردوغان التدخلية المنحازة في صراع التحول العربي.
اما الطامة الكبرى فهي مرة أخرى انشقاق العرب وعدم اتفاقهم على موقف ومواصلة إصرار الدوحة وحلفائها على تمزيق سورية وعلى المساس بالجيش المصري – آخر جيوش العرب الحقيقية، وفي ضرب الوحدة الوطنية الفلسطينية.