خبر : مراجعات تنضج على صفيح الأزمات .. حازم البنا

الأحد 03 نوفمبر 2013 10:51 ص / بتوقيت القدس +2GMT
مراجعات تنضج على صفيح الأزمات .. حازم البنا



حين يتقرح الجرح ويستفحل الألم في أحد أعضاء الجسد وينعدم معه مفعول المضادات الحيوية حينها قد تنحصر الحلول العلاجية بالبتر أو الكي ،، لكن هل فكرنا ماذا يمكن أن يحدث حين يستفحل التقرح والوجع في العقول والقلوب والنفوس ؟!؟

في غزة يتعرض المواطن لهزات ارتدادية قاسية على المستوى النفسي والفكري والسلوكي أصابت معتقداته وقناعاته وثوابته وحتى وطنيته بشروخ كبيرة بعد أن كان مؤمناً بأنها عصية على الانتقاد والتشكيك والنقاش

فحين تتفشى معدلات الفقر والبطالة ويتعذر على نصف السكان تأمين احتياجاتهم وإطعام وتعليم وعلاج أبنائهم ، فلا أحد يحدث هؤلاء الغلابة عن ايدولوجيا الأحزاب الوطنية والإسلامية وانتصاراتها السياسية والميدانية والدعاة الجديد وجلسات الحوار المتمدن وأحلام النخبة المثقفة والحراك الشبابي الذي سيقود التغيير .. حدثوهم فقط عن الجوع الذي ينهش في الضلوع وأخبروهم من أورثهم هذا الفزع ؟!؟

وحين تتحول سيارة الأجرة لصالون سياسي شعبي يخوض فيه السائق والركاب صباح مساء نقاش الحيارى في حال البلاد والعباد ثم ينتهي بهم النقاش لشجار حول تسعيرة أجرة المواصلات ،، فأعلم أن الشيكل أصبح يفسد في الود كل علاقة وقضية ..

حينما يصاب الكثير من الشباب بانفصام حاد متكامل الأركان في مشاعرهم الشخصية والعائلية والوطنية والدينية ،، وتدفعهم الحاجة المفقودة والأحلام الموؤدة والجهل المركب والتحزب الأعمى ليحصدوا انتكاسات كبيرة وجرائم مريرة بحق أنفسهم أو أقاربهم أو أبناء وطنهم قد تصل فيما وصلت إليه لحد العزلة والهجرة والإدمان والانتحار والقتل والعمالة ،، فالسؤال يصبح مشروعا حول مدى تأثير ملتقيات التسامح الشبابي ودور المؤسسات الشبابية في التثقيف والتنمية ونتائج ورش عمل كثيرة حول المشاركة السياسية للشباب وماذا حققت وزارة الشباب والرياضة فيما أسمته بعام الشباب ..

حين تسمع السواد الأعظم من الناس يسب ويلعن تدهور الأحوال المادية والمعيشية والسياسية وترى المواطن في كل لحظة يقاتل ذباب وجهه ضجراً من تراكم أزمات الكهرباء والمياه والوقود والمعابر والرواتب وانعدام الإرادة لدى قيادته السياسية بتنفيذ مصالحة قد تخلصهم من كل هذا البلاء ،، فعلينا أن ندرك حقيقة أن كل فرد في الشارع قد يصبح مشروع مشكلة جاهز للشجار والتمرد والعصيان المدني ،،لأن التجربة تقول أن المجتمع الذي تسود فيه البطالة تكثر فيه المشاغبات .

وعندما يترقب المواطن في غزة فوق كل هذا البلاء موعد الحرب الثالثة وسيناريوهات القتل والدمار ومَن مِن الأهل والأبناء والأصدقاء سيموت أو ينجو أو يهدم بيته ،، ويسأل نصف السكان النص الآخر السؤال اليومي الشهير " كيف شايفها؟! دون أن يعرف أحدٌ الإجابة ، فاعلم أنه ليس من أحد يسأل عن شكل احتفالات رأس السنة في باريس ، إنما الكل يسأل ليعرف إن كان هذا الحال سيبقى على هذا السوء أو سيصبح أسوء ؟!؟

وما من شك أن الشارع الغزي يدرك ويعلم حقيقة أن تغول الاحتلال وحصاره وصمت المجتمع الدولي وانحيازه سببا رئيساً في كل هذه الانتكاسات غير أن هذا الإدراك الشعبي لم يستثني أبداً من تفسيراته عامل الانقسام السياسي كأحد المسببات الرئيسية في استمرار كل هذا الألم والخوف اليومي لأكثر من ستة أعوام ،،

وكنتيجة طبيعة لكل ذلك مع غياب الأمل بفرج قريب يقوم المواطن اليوم من تلقاء ذاته وبما تسعفه مؤهلاته بمراجعات جذرية وتجريفات فكرية يعيد من خلالها قراءة اليمين واليسار والوسط ومفاهيم كثيرة حول الحكم والسلطة والعدالة والديمقراطية والمقاومة ، ويعيد قبل كل ذلك قراءة نفسه ليحدد من بعدها توجهاته ويحسم قراره إن كان سيفوض رب العالمين بما ضاع وسيضيع من حقوقه أو أنه سينفجر في وجه الجميع ليحفظ ما تبقى له من كرامة ..

يجب على رؤساءنا و قيادتنا السياسية والفصائلية أن تتذكر دائما أن الشعب حين ضحى وما يزال بكل غالٍ ونفيس وصبر على كل هذا البلاء ، ما كان ذلك إلا ثمنا لحلم الحرية والعيش الكريم ،، وهذا الحلم الكبير يحتاج لرئيس ووزراء وقيادات وطنية صادقة تسهر لوضع إستراتجيات وآليات لتحقيقه مدعومة باقتصاد حي يستطيع أن يسدد ديون الغلابة الغارمين ويطعم الفقراء البائسين ويشغل جيش العاطلين من العاملين والطلاب الخرجين ..

وأمام هذه الأحلام الجمعية والتضحيات الشعبية والمراجعات الفكرية والجروح والقروح الغائرة في جسد المواطن وعقله وقلبه طوال أعوام خلت ،، يجب على الشعب أن يتعلم حين ينتخب أن لا يبالغ في التوقعات والآمال عندما يعطي صوته لأفراد لا يعرف عنهم شيئاً سوى أنهم أسرفوا في صرف الوعود ..

لأن ذالك لا يحدث إلا في دول العالم الثالث التي غالباً ما تندفع فيها الشعوب بعاطفيه أو حزبية لأسطرة الشخص الذي سيأتي بعد كل هذه التراجيديا،، بعكس ما يحدث تماما في الدول المتحضرة التي تحكمها إستراتجيات وقوانين واضحة ومدروسة لا تنتخب فيها الشعوب أفراد كما يحدث في الشرق بل يعطون أصواتهم لبرامج حزبية يعرفون رؤيتها وماهيتها وكم ستحقق من تطلعاتهم وكم سنة ودولاراً تحتاج لتصبح حقيقة ملموسة على الأرض .

يجب علينا كشعب بعد كل ما ألم بنا وما ضاع منا وما وصلت إليه حال قضيتنا ،، أن نعرف كيف نختار من يمثلنا ويلبي تطلعانا ويحقق أحلامنا وينتصر لعذاباتنا بعيداً عن طيبة وعاطفة الريفيات حين يجلسن تحت النخيل ويرجون من الله أن يكون العريس المنتظر " إبن حلال " ، وإن لم نعرف ذلك فأخشى أن يتملكنا يأس الخلاص فنقول حينها قولة الزعيم المصري الراحل سعد زغلول " غطيني يا صفيه مفيش فايدة " .