كنت واحداً من ملايين المشاهدين العرب الذين تسمّروا أمام شاشة قناة "سي. بي.سي" مساء الجمعة الماضي، انتظاراً لحلقة جديدة من برنامج "البرنامج" حتى لحظة الإعلان من قبل القناة أن البرنامج لن يبث لأسباب فنية وتجارية، تبين فيما بعد أن ذلك يعود إلى ما تناولته الحلقة من انتقادات لاذعة وساخرة، كتلك التي تناولها البرنامج في حلقته السابقة والتي أدت إلى انقسام جديد في الشارع المصري بين مؤيد ومعارض لهذا التناول. النقاشات والمواقف التي أعقبت بث الحلقة السابقة أشارت بشكل واضح إلى هذا الانقسام في الشارع المصري تحديداً، إلاّ أن الأهم ـ من وجهة نظري ـ أن سياسة الاقصاء والتكفير السياسي لا تزال تسيطر على كل من تسلم الحكم بعد ثورة 30 يونيو/حزيران، تلك الثورة التي أرادت تصحيحاً لنتائج الثورة الأم في 25 يناير/كانون ثاني، خاصة فيما يتعلق بوصول عشيرة مرسي إلى الحكم.
وباعتقادي، أنه لم يكن بالامكان توفير هذا الحشد الهائل من المواطنين المصريين في ميدان التحرير وكافة ميادين جمهورية مصر العربية بهدف تصحيح ثورة يناير، من دون الدور الذي لعبه الإعلام المصري المستقل الذي فضح سياسة الاقصاء والتكفير الذي مارسته عشيرة مرسي، باسم يوسف كان أحد أعمدة الثورة التصحيحية هذه، ولم يكن غريباً في ذلك الوقت أن يتم استدعاؤه من قبل النائب العام "الخاص" بالعشيرة، إلاّ أن هذه العشيرة لم تتمكن من وقف برنامجه ربما خشية من ردود فعل الرأي العام.
الغريب أن باسم يوسف، ابن مصر، واحد من الشعب المصري، خفيف الدم والظل، والذي إن لم يجد أحداً يسخر منه يسخر من نفسه، الغريب أن هذا الشعب الساخر، أو بعضاً منه على الأقل، لم يتقبل سخرية ونقد باسم يوسف، إلاّ عندما كانت هذه السخرية تتلاءم مع مواقفه من الأحداث، لكن هذا البعض، كشف أنه أكثر حدة في مواقفه، وان الاقصاء والتكفير ليست صفة لبعض الجماعات والعشائر، لكنها صفة تتمكن من الحكام والتابعين تتجلى في عدم التسامح، وعدم قبول الآخر.
ما يثير السخرية في وقف برنامج "البرنامج"، أن البرنامج لن يتوقف، ذلك أن باسم يوسف من الحكمة وربما العناد، قادر في ظل إمكانياته الشخصية، وتزايد عدد المعجبين به من المحيط إلى الخليج على توفير بث مواقفه الساخرة عبر قنوات عديدة بما فيها قنوات الشبكة العنكبوتية، فالكل يعلم أن في هذا الزمن لا يمكن احتكار بث المعلومات والمعارف والمواقف، لكن رعونة الموقف هي التي تدفع بتجاهل هذه الحقيقة.
والواقع أن أعداداً كبيرة من الذين شكلوا شعبية باسم يوسف، قد اتخذوا موقفاً مخالفاً بعد عودته في "البرنامج" من جديد، ومن خلال ردود الفعل على الحلقة الأولى، يتبين أن باسم يوسف قد اكتسب عداء "العشيرة" من ناحية وعداء بعض ثوار 30 يونيو/حزيران، إلاّ أن ذلك في واقع الأمر، لن يؤثر كثيراً على شعبيته على مستوى الوطن العربي، علماً أن باسم يوسف، كان الظاهرة التي اصطفت الجماهير حولها، وهو ـ باسم يوسف ـ تحول من شخص إلى ظاهرة، خرجت من القاهرة لتحتل قلوب العرب أينما كانوا، ومجازاً يمكن القول إنه أسهم في إعادة حلم العروبة من جديد!
كان من المنتظر بعد إسقاط حكم العشيرة، أن يقدم النظام البديل نموذجاً لما أراده ثوار 30 يونيو/حزيران، نظاماً مغايراً لما كان عليه حكم العشيرة البائد، ومساحة رحبة لحرية الرأي والتفكير والتعبير، مجالاً أوسع للنقد والرقابة وقبول الآخر المختلف، وانكفاء التشهير والتكفير والاقصاء، لكن ما حدث مع برنامج "البرنامج" أسقط النظام القائم الآن في امتحان حرية الرأي والتعبير، وإذا كان من الصحيح أن لا مقارنة مع نظام العشيرة البائد، إلا أنه من الصحيح، أيضاً، أن أهداف 30 يونيو لم تتحقق حتى الآن، على صعيد قبول الآخر وقبول النقد والرقابة.
ليس هناك من مقدس في الأفراد والجماعات والتكتلات، ليس هناك مقدس أمام سلطة النقد والرقابة على هذه التركيبات، طالما الأمر ظل في ميزان الإنسانية والكرامة، بما في ذلك، أيضاً، السخرية اللاذعة إذا ارتضيناها في زمن ما، فعلينا أن نتقبلها في كل زمن.
الاصطفاف ضد ومع باسم يوسف، يرسم معالم الخريطة الاجتماعية ـ السياسية للوطن العربي، ولعلها بداية جديدة لصاحب البرنامج، تأكيداً على المواقف وتأكيداً على الشجاعة التي تحلّى بها حرصاً على الدفاع عن هذه المواقف، حتى لو اختلفنا معها!
Hanihabib272@hotmail.com
www.hanihabib.net


