يخطئ من يعتقد أن إسرائيل تلهث خلف المفاوضات أو من يعتقد أن لإسرائيل رغبة بالوصول لاتفاق مع الفلسطينيين هكذا قالت تجربة عقدين منذ توقيع اتفاق أوسلو، ومخطئ من يعتقد أن الحكومة الإسرائيلية بائتلافها الحالي وحزب الليكود بتركيبته اليمينية لا ينتظر اللحظة لوقف هذه المفاوضات التي أرغم على دخولها تحت الضغط الأميركي ولكن إسرائيل على درجة من الدهاء بحيث لا تنسحب منها بل تفعل كل ما من شأنه من استفزازات تكثفت في الأسابيع الأخيرة لتدفع الطرف الفلسطيني للإعلان عن وقفها.
إسرائيل دولة تجيد لعب السياسة، والفلسطينيون كما العرب لا زالوا أسرى الانفعالات والمواقف المتسرعة فقد قتل الشهر الماضي ثلاثة جنود إسرائيليين بينهم ضابط لم تسارع إسرائيل إلى وقف المفاوضات فهي أذكى من ذلك فهذه بدأت تحت الهراوة الأميركية وهي ليست بالدولة الساذجة حتى تضع نفسها في صدام مع الدولة العظمى التي قررت أن يبدأ الطرفان ببحث جدي تحت رعايتها عن صفقة تسوية، بل رفعت وتيرة الاستيطان وهو الشرط الذي أرغمت الولايات المتحدة الفلسطينيين على التخلي عنه ومقابله أرغمت إسرائيل على الإفراج عن أسرى ما قبل أوسلو وهو الذي اعتبره نتنياهو "أسوأ القرارات" التي اتخذها في حياته، وتدرك إسرائيل أن الاستيطان يشكل ذروة الاستفزاز بالنسبة للطرف الفلسطيني فقصة الثورة قامت على موضوع الأرض وها هي تسرق أمام أعينهم.
كل المشاريع الاستيطانية هدفها حشر الفلسطينيين في زاوية استحالة التفاوض مع استمرار إعلان البناء في الأراضي الفلسطينية وكلما تحمل الفلسطينيون سيل الانتقادات والشتائم زادت أكثر وتيرة الاستيطان فما العمل؟
استمرار المفاوضات مشكلة ...والانسحاب الفلسطيني منها مشكلة أكبر، وقد تزايدت في الآونة الأخيرة الأصوات التي تدعو إلى وقف المفاوضات بما فيها أصوات من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير حتى أن الوفد المفاوض نفسه لم يستطع الاستمرار في ظل هذه المعادلة الصعبة فقدم استقالته للرئيس والسؤال هل يستطيع الفلسطينيون الانسحاب من المفاوضات أو بالأصح هل يمكن أن يتحمل الفلسطينيون عواقب هذا الانسحاب؟
منذ محاولة الاتفاق في طابا العام 2000 والمفاوضات متوقفة إلا فترة قصيرة في عهد حكومة أولمرت العام 2007 وتوقفت بعد عام مع بداية العدوان على قطاع غزة العام 2008 وبمبادرة فلسطينية آنذاك وتجددت لمدة ثلاثة أشهر في عمان العام الماضي أبدى موفد نتنياهو اسحق مولخو تصلبا لدفنها قبل أن تبدأ، وطوال الفترة التي توقفت فيها لم يتوقف الاستيطان وليس هناك ضمانة إن توقف الطرف الفلسطيني عن التفاوض أن يتوقف الاستيطان.
ولنفترض أن الرئيس الفلسطيني قبل استقالة الوفد المفاوض وابلغ الإدارة الأميركية موقفه الحاسم رفض الفلسطينيين الاستمرار بهذه المفاوضات هذا سيكون له نتائج سلبية كبيرة يمكن الإشارة إليها وهي:
أولاً: انسحاب الفلسطينيين من المفاوضات يعني إعطاء إسرائيل ورقة براءة من عرقلتها لعملية التسوية وتحميل الفلسطينيين مسؤولية إفشالها وهذا سيجر غضبا أميركيا ودوليا على السلطة باعتبارها هي الطرف الذي أضاع فرصة التسوية.
ثانياً: تعزيز الائتلاف الحكومي الإسرائيلي وتقوية نتنياهو في حزب الليكود المتطرف الذي يهدد بفصل نتنياهو لو توصل لصفقة مع الفلسطينيين، ورأينا ردود فعل حزب البيت اليهودي ورئيسه نفتالي بينيت على إطلاق سراح الدفعة الثانية من أسرى ما قبل أوسلو، فالمفاوضات تهز بقوة عرش نتنياهو سواء على صعيد الحزب أو الائتلاف والانسحاب الفلسطيني سيخرج نتنياهو من هذا المأزق لأنه يخشى أن يذهب الضغط الأميركي إلى حد أن يفرض رؤيته بالنهاية أو يكتشف أنه المعطل للتسوية.
ثالثاً: إذا انسحب الفلسطينيون سيظهرون أمام العالم أنهم لا يريدون المفاوضات طريقا للحل وربما لن يجدوا تعاطفا معهم حين تعلن إسرائيل مشاريعها للبناء الاستيطاني الذي ستتسارع وتيرته بالتأكيد في ظل حكومة الاستيطان بشكل أكبر بصمت دولي.
رابعاً: وقف العزلة المتنامية ضد إسرائيل التي بدأت تتزايد في الآونة الأخيرة والمرشحة للتوسع لتشمل دولا ومؤسسات جديدة وصولا لفرض مقاطعة شاملة على إسرائيل للوصول الى حد وصفها دولة "إبرتهايد" عنصري، وهذه العزلة رأينا تأثيرها في الرسالة التي أرسلتها البروفيسورة روت أرنون رئيسة الأكاديمية الإسرائيلية للعلوم لنتنياهو تحذره فيها من النتائج التي وصفتها بالكارثية على إسرائيل نتاج رفض الاتحاد الأوروبي توقيع اتفاقية تعاون البحث العلمي مع الدولة العبرية.
خامساً: تحميل الفلسطينيين مسؤولية إفشال المفاوضات يعني تشديد الحصار المالي عليهم وستلتزم الدول العربية قبل الأوروبية بالقرار الأميركي وهناك تجارب سابقة في وقف تمويل السلطة.
سادساً: حين يظهر الفلسطينيون أنهم من أفشل المفاوضات لن يتمكنوا بعدها من الذهاب للأمم المتحدة ومجلس الأمن والمؤسسات الدولية وستقطع الولايات المتحدة الغاضبة منهم الطريق عليهم لأنهم أفشلوا مشروعها بالوقوف ضدهم وستمنع كثيرا من دول العالم من مساندتهم.
وأمام هذا السيناريو يمكن تخيل وضع إسرائيل المريح على المستوى الدولي، ولا يعتقد أن في قرار وقف المفاوضات ما يمكن أن يكون هو الخيار الأفضل أو يكون القرار الأقل كلفة ويمكن أن يتوقف التفاوض لسنوات ولن تتضرر إسرائيل كثيرا لطالما أن العالم ينتظر النتائج وأولهم الولايات المتحدة. وأثبتت التجربة أن التعاطف الدولي يشكل عنصرا أساسيا في إقامة الدول فليس من الحكمة الوقوف في وجه مشروعه بل يجب أن يتعاطى الفلسطينيون مع المفاوضات باعتبارها لعبة علاقات عامة هدفها حشر إسرائيل في الزاوية كدولة مضادة للسلام والاستقرار وهي التي تمارس أطول لعبة تضليل على العالم، صحيح أن هذا الخيار مكلف ولكنه خيار ضروري في لعبة السياسة.
ولأنها مفاوضات عبثية كما يصفها معارضوها، علينا الوثوق بالإسرائيلي الذي سيفشلها لأنها تتعارض مع مصالحه القومية والأمنية والحزبية والائتلافية، وإذا كان الأمر كذلك على الفلسطيني أن يلعب لعبة الإسرائيلي فالمفاوضات بدأت منذ عقدين، وكان يمكن رفض المفاوضات قبل أوسلو ولكن طالما اختار الفلسطيني هذا الطريق عليه أن يسير به حتى النهاية، فالصراع مع إسرائيل طويل ولا يتوقف الأمر عند هذه المفاوضات التي ستنتهي بعد ستة أشهر لكن المهم أن ينكشف الإسرائيلي أمام العالم أنه الرافض للتسوية من خلال التفاوض حتى لو اختار الفلسطينيون بعدها خيار المقاومة المسلحة يكون العالم أكثر تفهما أو حتى خيار المؤسسات الدولية من المهم أن يكون العالم غاضبا على إسرائيل ومن المهم أيضا أن يكون خيار التفاوض جزءا من برنامج يعرف الفلسطيني ماذا سيفعل بعده وإلى جانبه وليس خيارا وحيدا معلقا في الهواء أو خيارا يتيما حتى دون مقاومة شعبية بالحد الأدنى ..!
Atallah.akram@hotmail.com


