يفرح الفلسطينيون كما لا يفرحون في أي مناسبة أُخرى بعودة الغائبين، اولئك الذين مضوا في ذاكرة بعيدة في رحلة انقطعت فيها اخبارهم، وحين عادوا استقبُلوا بالزغاريد والأفراح.. شبان أُخذوا من قراهم في سفر برلك مجهول يحاربون في جيش السلطان العثماني، في بلدان بعيدة وغريبة وفقد البعض منهم ولم يعودوا، وظلت ذكراهم تتردد صداها بلوعة حزينة حسرة على غيابهم، في اغنيات واهازيج ظل صداها ينبعث الى يومنا هذا في اعراسهم كعتاب طويل على "زريف الطول" بانتظار عودته وحين يعود زريف الطول من غيابه، خروج يونس من باطن الحوت. فلا شيء سوف يشبه فرحة ام عمر مسعود في مخيم الشاطئ بعودة ابنها عمر التي ظلت تنتظر عودته في بيتها الصغير المسقوف بالاسبست، الذي اعتقل فيه عمر وهو لا يتعدى السابعة عشرة من العمر، ويعود اليوم الى البيت وحضن امه كهلاً.
هذا شعب كسير القلب، لكن قلبه لا يموت. شعب يُعلي من قيمة شهدائه حد النظر اليهم كقديسين، ويرى الى ابنائه المعتقلين كابطال. وبين الشهادة القداسة والبطولة لا يوجد سوى خيط رفيع قشرة رقيقة، صراطهم المستقيم الذي ما برحوا يسيرون على هديه كدرب خلاصهم على طريق الآلام هذه نحو الجلجلة، كنبي الله المخلص الذي يفتدي خطايا البشر بجسده العاري، خطايا لعبة الامم التي اقتضت ايقاع هذه المظلمة بالفلسطينيين، في مثل هذا اليوم الثاني من تشرين الثاني قبل ما يقارب مئة عام الا قليلا. يبلسمون بفرح طاهر عذري ونقي مثل بكارة الحياة الاولى تحت السماء، انكسارات القلب لكي يبقوا على اكسير قلوبهم، والحياة والروح وضاءة كما شمس الصباح، كترنيمة الصبح للشمس يوما ما سوف اشرق فيكِ.
تختزل ساعات الانتظار الطويلة التي تشبه ساعة الرمل المتثاقلة، الإبطاء المذل كل جماع بنية السلوك المرضي، الذي يميز هنا سيكلوجية الاحتلال. ان الاحتلال الاسرائيلي ينطوي من الناحية البنيوية الكلاسيكية او الصورة النمطية للاستعمار على فرادة واستثناء، اذ بخلاف الاستعمار التقليدي الذي كان ينحصر اهتمامه بالسيطرة الاقتصادية على ثروات وموارد الشعوب الاخرى، وما كان هنا يتردد في العمل على كسب عقول وقلوب الشعوب الخاضعة له، نشر الثقافة الانجلوسكسونية في حالة انجلترا، والفرانكفونية وثقافة التنوير في الحالة الفرنسية، وحتى في الحالة الاميركية صورة جاذبة عن الحلم الاميركي، وقبل ذلك في عصور قديمة في التاريخ تعميم الثقافة الهلنستينية، فإن الاحتلال الاسرائيلي بالمقارنة ليس له اي رسالة يوجهها للفلسطينيين لجهة العمل على كسب عقولهم وقلوبهم، وانما عدم تفويت اي فرصة او مناسبة لاشعارهم بأن الهدف هو تحطيم وحرق قلوبكم ايها الفلسطينيون.
وهكذا يمكن ان نفسر هذا السلوك المرضي في تعمد.. تقصد جعل الفلسطينيين ورئيسهم في هذا الوضع من الانتظار المتوتر، الذي لا يخلو من الاهانة لساعات بعد منتصف الليل في هذه البرودة للافراج عن المعتقلين، وكأن الهدف هو انتزاع لحظة الفرح من قلوب الفلسطينيين وافسادها. هكذا هنا لا يولي الاسرائيلي اي اهتمام بمراعاة الجانب الانساني العاطفي من العلاقة، كقاعدة انسانية لاقامة اي سلام او تسوية او مصالحة محتملة في المستقبل بين الطرفين.
يتعلق الأمر إذن بلحظات متصلة ومتكررة من الكشف الذي لا يُحجم او يتردد الاحتلال الاسرائيلي في الافصاح فيها، عن ماهيته وطبيعته الخاصة باعتباره احتلالا احلاليا بالدرجة الاولى. وان المفردات المعرفية هنا ذات الدلالة هي من نوع النفي والالغاء والاجتثاث والاقصاء والاستئصال لفكرة وجود الآخر، او القبول بمبدأ التعايش معه في ذات المكان، ناهيك بالاعتراف بشرعية مطالبه السياسية في هذا الوجود. ان المسألة غير المصرح بها هنا لاسباب دبلوماسية تتعلق بمداهنة المزاج الاخلاقي القيمي والسياسي الدولي، والتي يجري التستر عليها في مكان آخر عميق، هي في واقع الامر معادلة صفرية مجردة قوامها اما نحن واما هم. ولذا فأن الفلسطيني هنا اما ان يقتل او يعتقل او يقتلع من بيته ويطرد ويبعد، املاكه تصنف تحت بند املاك الغائبين، او هو عميل يجري تجنيده بفعل الخداع يكون عين الاحتلال واداته.
وهل ندرك هنا لحظة الكشف الاخرى التفسير الوحيد للسؤال اللغز المحير، لماذا تنجح كل المفاوضات هناك في التاريخ القريب بين حركات التحرر الوطني والاستعمار القديم؟ ولا تنجح هنا رغم استمرارها عشرات السنين. والمسألة واضحة لانه هنا لا توجد ارضية مشتركة بالحد الادنى الذي يمكن البناء عليها، من اجل التوصل الى اتفاق. والمفارقة اليوم انه بينما طور الفلسطينيين استعدادا سيكلوجيا وعقليا بقبول فكرة التعايش مع اسرائيل، كجيران دولتين وحتى كمواطنة مختلطة في دولة واحدة ثنائية القومية، فأن اسرائيل المفتخرة بعلمانيتها وحداثتها ترتكس في خطابها الى سلفية اصولية، كعرّاضة ايديولوجية لصد اي محاولة للتعايش والسلام.
لماذا الحرب على غزة غير مرجحة الآن؟
لا يبدو اننا في تشرين الثاني الجديد هذا سوف نذهب تطيرا، الى مواجهة ثالثة على الحدود مع غزة، والسبب اعتقادي هذه المرة هو نفسه العام 2012 ولكن بصورة معاكسة، بعدم الدخول في تجربة اختبار السلطة المصرية الجديدة، حتى لو كان محمد مرسي يمثل اليوم في الاعتقال السياسي وتجري محاكمته، بل لهذا السبب عينه لئلا يعطي فرع الاخوان في غزة اي حماس التي برهنت في المواجهة الاخيرة ليلة الجمعة، انها مستعدة ومتيقظة، حجة على الجنرال عبد الفتاح السيسي وقنواته الاعلامية، التي تحارب الاخوان في مصر بلا هوادة، بحيث يبدو السيسي الذي يحاول ان يصور نفسه كعبد الناصر، يقف في موقف حرج وكأنه في صف واحد مع اسرائيل في صف واحد. بينما حماس الاخوانية هي التي تدافع عن الامن القومي العربي في مواجهة اسرائيل، التي لا زال ينظر اليها معظم المصريين على انها العدو القومي.
وهكذا اذا كان الاخوان في الحكم قد خدموا حماس في الحرب الاخيرة، فأن غيابهم هذه المرة وحتى اشعار آخر اي تثبيت حكم السلطة الجديدة في مصر، سوف يجعل اسرائيل تتردد في الاقدام على اي مغامرة بالقيام بهجوم حربي واسع على غزة. ولكن بحدود نتائج الاشتباك الاخير ليلة الجمعة شرق خان يونس، فإن حماس هي التي سجلت الهدف، اذا كان ما حدث يرسم معادلة تكتيكية جديدة تغير من قواعد الاشتباك الذي كان سائدا على الحدود بين غزة واسرائيل.


