أكثر ما يلفت الانتباه من الحشرات هي "القرادة"، أو القراد كما يجب البعض أن يسميها، وهي حشرة تعيش على أجسام الكائنات الأخرى، سواء كانت إنسانا أو حيوانا، تمتص دمها وتنقل الأمراض إليها، تنتمي لكائنات مفصلية الأرجل صغيرة الحجم، من العناكب، ذات ثماني أرجل، وهي منتشرة جدا ويوجد ما يزيد على 800 نوع منها، بإمكانها أن تضع 18.000 بيضة في المرة الواحدة. وبعد الفقس تلصق اليرقات بالحيوانات.. باختصار إنها كائن طفيلي لا يعيش إلا على دماء الآخرين.
لست هنا في معرض الحديث عن درس في الأحياء أو "البيولوجيا" أو علم الحيوان، ولكنني بصدد الاستشهاد بحشرة ربما تتحول إلى قاتل متجول إذا لم يتم علاجها بسرعة.. المشكلة الكبرى تكمن في طفيليتها وامتصاصها لدماء الآخرين حتى لو أهلكتهم، تماما كما يفعل الكثير من المرتزقة والانتهازيين والأفاقين والدجالين والمنافقين من البشر، الذين يتحولون إلى كائنات طفيلية سامة، تفتك بالمجتمع والقيم والأخلاق والدين، وتغتال بالشفافية والدقة والكفاءة، لأنها لا تعرف غير التملق والكذب والتزلف والباطنية ينطبق عليهم قول الشاعر "يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كما يروغ الثعلب، قسم منهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وهم المنافقون الذين استمدوا صفتهم من حيوان ذي رقبة قصيرة جداً ورأس غائص بين كتفيه، اسمه النافقة أو "الخلد"، يحفر نفقا تحت الأرض له كثير من المداخل والمخارج لكي يؤمن طريق الخروج في كل مرة، وهذا ما يفعله المنافقون بالضبط، وآيات القرآن الكريم كثيرة في هذا المجال.
إلى جانب هؤلاء هناك نوع خطير من الطفيليات البشرية، ألا وهم المتزلفون، المستعدون دائما لإراقة ماء الوجه وتغيير الرأي وقلبه دون خجل وأفضل الأمثلة على هؤلاء ذلك الكاتب المصري الطفيلي أكرم السعدني الذي كتب مقالا بعنوان "السيسي والمتفلسفون!!"، قال فيه: "نحن في أشد الاحتياج إلى رجل حاسم.. حازم.. أنت يا سيدي الفريق أول عبد الفتاح السيسي فاسمح لي أن أعيد على أسماعك ما قاله أحد الشعراء للخليفة الحافظ وكانت البلاد تمر بظروف دقيقة قال الرجل:
ما شئت.. لا ما شاءت الأقدار
فأحكم فأنت الواحد القهار
فكأنما أنت النبي محمدا
وكأنما أنصارك الأنصار
وهو في تزلفه وكذبه جعل من الجنرال الانقلابي السيسي إلها ونبيا في الوقت نفسه، وهذا قمة الانحطاط والوضاعة التي يمكن أن يستخدمها كاتب في وصف جنرال انقلابي فاشل، سفك دماء الشعب وعاث في مصر فسادا.
كاتبة أخرى تدعى غادة شريف كتبت مقالا بعنوان "يا سيسي.. إنت تغمز بعينك بس!" قالت فيه: "طالما السيسي قالنا ننزل يبقى هننزل.. بصراحة هو مش محتاج يدعو أو يأمر.. يكفيه أن يغمز بعينه بس.. أو حتى يبربش.. سيجدنا جميعاً نلبي النداء.. هذا رجل يعشقه المصريون!. ولو عايز يقفِل الأربع زوجات، إحنا تحت الطلب.. ولو عايزنا ملك اليمين، ما نغلاش عليه والله!".
ومع هذا النوع من التزلف أو "التحرش وقلة الأدب والتدني الخلقي" لا يحتاج السيسي أكثر من غمزة عين لكي تصبح "ملك يمينه".. ومثل ذلك المفتي السوري أحمد حسون الذي جعل من الإرهابي القاتل بشار الأسد "مجاهدا".. هذه أمثلة على هذه الطفيليات التي تعيث في عالمنا العربي فسادا.
لا يقف أمر الطفيليات عند هؤلاء، فهم موجودون في الدين والثقافة والسياسة والإدارة، وبعضهم ينتمون إلى ما يسمى "النخبة" التي كشف الربيع العربي فسادها وبؤسها، وربما يكون أخطرها هي "الطفيليات الصامتة" التي تمص دم المجتمع والمؤسسات والدولة "بصمت" وتزرع بيوضها الفاسدة في كل مكان، لكي تضمن استمرار الخراب.. خراب الواقع والمستقبل بعد أن شوهوا الماضي.. هؤلاء هم أنفسهم "زبائن" الفضائيات والمنتديات والمناصب.. ينتقلون من محفل إلى محفل، ومن منصب إلى منصب، لأن لهم سوقا رائجة في عالم عربي يسوده غياب الوعي ويكاد يكون في غيبوبة رغم الثورات والانتفاضات والحراكات.
لا يمكن تغيير الأوضاع العربية من دون التخلص من هذه الكائنات الطفيلية في كل مفاصل المجتمع والسياسة والإدارة، فهم يعيقون الحركة للأمام ويعطلون المسير، ويقودون الأمة إلى يوم القيامة، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إذا أوسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة".. فهل العرب على مشارف الساعة؟!


