منذ عدة عقود كان المقعد الوحيد في الجامعة العربية الذي يشغله رئيس دولة على الرغم من عدم وجود دولة له هو مقعد فلسطين. وكانت قضيته، ولسبب يعود في الأساس لهذا الغياب للدولة، تتصدر أعمال الجامعة العربية، ويختلف أصحاب الدول بشأنها. اليوم لم يعد مقعد فلسطين هو الاستثناء، فجميع القادة العرب من محيطه لخليجه، يجلسون على مقاعد لتمثيل دول لا تحمل من صفات الدول أكثر من الاسم، وفي هذا لا تختلف دولة فلسطين، عن أي منها. الفشل لم يكن في السودان فقط الذي تنازعته الحرب الأهلية منذ استقلاله، ولا في لبنان الذي خاض ولا يزال حربه الأهلية، وليس في الصومال قطعاً، ولكن في الجزائر والعراق واليمن وسورية والبحرين وليبيا وتونس، وحتى في أم الدول وأعرقها، مصر. القلة الباقية التي لم يصلها بعد حالة «الفشل» إما في الطريق إليه مثل المغرب والأردن، وإما مؤجل لبعض الوقت بسبب عوامل دولية أكبر من تلك الدول، مثل السعودية والإمارات وقطر. قد يعيد البعض عوامل سقوط الدولة القطرية في العالم العربي الى اتفاقيات سايكس-بيكو التي رسمت حدوداً مصطنعة بين الدول العربية وخلقت مشاكل للأقليات، لكن هذا التفسير قاصر في جوهره، لأن الصراع الذي أدى الى سقوط الدول العربية في دوامة العنف الأهلي لم يكن بسبب سعي الشعوب العربية الى الوحدة وإلغاء الحدود «الوهمية»، وليس بالتأكيد بسبب رغبة الأقليات في الحصول على دول خاصة بها. البعض الآخر قد يعيد السبب الى الموقع الجغرافي المميز للعالم العربي الذي قد يسهل أو يعيق التجارة العالمية، والى وجود أهم مصدر للطاقة العالمية فيه وهو ما يعني خضوع الدول العربية بالضرورة لحالة الصراع العالمي على النفوذ والهيمنة. الى حد ما يوجد أساس لصحة هذا الادعاء ويمكن القول أيضاً إن تسهيل وجود إسرائيل في قلب العالم العربي هو جزء من معادلة الحفاظ على هذا النفوذ. لكن المشكلة في أن تقبل ادعاء كهذا يعني بالضرورة أن الفوضى وحالة انعدام الاستقرار تسهل «التجارة العالمية» التي يريدها أصحاب النفوذ العالمي وهو ما لا يمكن قبوله لأنه مناف لقوانين الاقتصاد..التجارة تنشط بوجود الاستقرار لا بغيابه. حالة الانهيار التي تعيشها الدول العربية سببها يعود الى سعي أقلية من الشعوب العربية، مهيمنة على الثروة والسلطة منذ الاستقلال الوطني، لمنع أي تغير يسمح بالتبادل السلمي للسلطة وبتوزيع عادل للثروة. من أجل ذلك سعت «الأقلية» الى خلق كل العوامل التي تساعدها للحفاظ على سلطتها و»ثروتها». السجون شيدت ليس للمجرمين فقط، ولكن في الأساس للمعارضين السياسيين لحكم الأقلية.. الصراعات الطائفية والإثنية خلقت حتى تظهر الأقلية كمن يقف فوقها محافظاً على الوحدة الوطنية..الأحزاب التي تسعى الى السلطة منعت وسُمح للاحزاب «الديكورية» التي تتلقى تمويلاً من «الحاكم» بالعمل لتظهر النظام كما لو أنه يتربع على «مملكة» ديمقراطية..أجزاء من الثروة وزعت ليس على من يحتاجها، ولكن على تلك الفئة القليلة التي تعمل بالتعاون مع أجهزة الأمن لتأبيد سيطرة الأقلية. خلال ذلك كله كان العالم العربي يتعرض لعاملين ضاغطين لا مهرب من تأثيرهما. الفقر الذي سحق الغالبية العظمى من الشعوب العربية بسبب انحيازات أنظمة الاستبداد الاقتصادية تجاه اقتصاد السوق الحر.. والعولمة، التي مكنت الأفراد والجماعات من رؤية عالم مختلف لعالم الاستبداد والقهر الذي يعيشونه. وكان الحراك العربي، أو ما أصبح يعرف بالربيع العربي الذي أسقط عروشا، ودمر دولا، وهدم الاستقرار الكاذب الذي عاشته بعض الدول العربية. يقيناً لم يكن ما جرى في بعض الدول ومنها سورية وليبيا وليد عوامل «محلية» فقط، ولكن الأسباب الكامنة في حراك الشعوب العربية، وأساسها احتكار الأقلية للسلطة والثروة وما ترتب عليهما من انتشار الفقر والظلم في ظل انعدام كامل للحريات تبقى العوامل الرئيسية لهذا الحراك. الادعاء بأن الإسلاميين هم سبب الفوضى وحالة انعدام الاستقرار التي يعيشها العالم العربي فيه الكثير مما يجافي الحقيقة. الإسلاميون تمكنوا من بناء عمق شعبي لثلاثة أسباب. أولاً، الدولة في العالم العربي تخلت عن وظيفتها في توفير الخدمات الاجتماعية للغالبية الساحقة من الناس، وكانت «سعيدة» عندما تقدم الإسلاميون لتوفير هذه الخدمات لأن قيامها بذلك كان يمنع أو يؤجل حالة «الانفجار» المحتملة بسبب انعدامها. يذكر البعض أن إخوان مصر هم من قاموا بمساعدة ضحايا زلزال القاهرة العام 1992، وليس نظام مبارك. لا يهم الفقراء من يقدم لهم الخدمات ولكن الحصول عليها. ثانياً، في سعيها للخلاص من التيارات السياسية القومية واليسارية، وفي مناخ الحرب الباردة حيث الاصطفافات العالمية بين معسكرين، سمحت أنظمة الاستبداد العربية للإسلاميين بالعمل الدعوي والاجتماعي، وكان من نتيجة ذلك انحسار المد اليساري والقومي وتوسع نفوذ الإسلاميين. هذا التوسع وبعد انتهاء الحرب الباردة، جعل أنظمة الاستبداد تتحول من داعم للإسلاميين، الى محارب لهم. خلال ذلك سقط العديد من رموز العمل القومي واليساري في حضن نفس الأنظمة التي حاربتهم بالإسلاميين والمعتقلات. النتيجة أن قطاعا واسعا من الشعوب العربية أصبح يرى أن الإسلاميين تعرضوا للظلم وأصبح متعاطفاً معهم. ثالثاً، فاز الإسلاميون في الانتخابات في أكثر من دولة، وحرموا من الحق بممارسة السلطة، وهذا ضاعف من مظلوميتهم. اليوم لا خلاص من حالة تمزق النظام العربي وانهيار دوله بدون الإقرار بأن عودة الاستبداد وسيطرة الأقلية على السلطة والثروة لم تعد ممكنة ومقبولة على الشعوب العربية، ولا خلاص من حالة الانهيار بدون التوافق بين الإسلاميين ومعارضيهم على عقد اجتماعي للحكم. بمعنى آخر، ما لم يتصالح العرب مع أنفسهم وما لم يتفقوا على طريق للعيش المشترك، فإن حالة انعدام الاستقرار في بعض الدول حاليا، ستتحول الى حالة انهيار كامل على الطريقة السورية والعراقية والليبية والصومالية.


