بين تداعيات الموقع الجغرافي الاستثنائي في أبعاده وتداعياته، وأقدار السياسة ولعناتها، يعاني سكان قطاع غزة، تاريخياً، على مختلف المستويات، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية. شريط بطول خمسة وأربعين كيلومتراً، وعرض في المتوسط يصل إلى نحو ثمانية كيلومترات، وساحل في الأصل صحراوي، لا وجود فيه لثروات طبيعية، يمكن التأسيس عليها لبناء منظومة اقتصادية إنتاجية، يكتظ القطاع بسكانه الذين تصل أعدادهم، إلى نحو مليون ومئة ألف نسمة، يتزايدون كل عام.
قبل عام 1967، عاش سكان القطاع، وأغلبيتهم من اللاجئين وضعية خاصة، تحت الإدارة المصرية، وفي ظروف معيشية صعبة، اعتمد خلالها السكان على ما تقدمه وكالة غوث وتشغيل اللاجئين من خدمات ومواد إغاثية، وكان اتصالهم بالعالم الخارجي محدوداً للغاية ومعرفتهم عنه، أيضاً، محدودة للغاية.
عانى السكان من محدودية فرص العمل، ومن البطالة، ومن تدني مستوى المعيشة ورداءة نوعية الحياة، وكان أغلبيتهم أقرب إلى المتسولين، بدون كهرباء، ولا مرافق صحية معقولة، ولا بنى تحتية، أو شبكات مجار ومياه، ولكنهم احتفظوا بمفاتيح الأرض، والبيوت، وأوراق الطابو واحتفظوا بحلمهم الكبير بالعودة إلى حيث كانوا قبل هجرتهم القسرية.
وحتى وقعت هزيمة حزيران عام 1967، كان سكان القطاع يدفعون الثمن حيث واصلوا المقاومة، وتعرضوا للمجازر اثر العدوان الثلاثي على مصر، الذي قامت خلاله إسرائيل، باحتلال القطاع، قبل ان تنسحب منه.
ومنذ هزيمة حزيران، وأهل القطاع مستمرون في أداء قسطهم من المقاومة ويدفعون المزيد من باهظ الأثمان، لكن آمالهم وأحلامهم لم تتراجع. هل هو الابتلاء كما يقول الإسلاميون، أم انها ضريبة الوطنية الفلسطينية أم هي ضريبة الموقع الجغرافي، الذي يجعل من هذا الشريط الصغير، امتداداً حيوياً للأمن القومي المصري، وثغرة في خاصرة الأمن القومي الإسرائيلي؟ كان حلم اسحق رابين أن يبتلع البحر غزة، وكانت عش الدبابير الخطير والمرفوض بالنسبة للإسرائيليين عموماً، وكان التخلص منها على رأس المخططات الإسرائيلية، التي بدأ تنفيذها ارئيل شارون، رغم أنه القائل بأن أمن مستوطنة "نتساريم" هو جزء من أمن تل أبيب.
إسرائيل لا تريد الاحتفاظ بقطاع غزة، وهو ما فعلته، ومصر، أيضاً، لا تريد العودة إلى إدارتها، أو ضمها، أو تحمل المسؤولية عنها، فغزة بالنسبة لمصر، جزء من الأرض الفلسطينية المحتلة، التي يفترض أن تقوم عليها دولة الفلسطينيين. لكن إسرائيل التي أرادت التخلص من قطاع غزة، أرادته ميتاً لا حراك فيه، ولا تهديد منه لأمنها، ولا مسؤولية أو دور له في اطار عملية تحرير بقية الأرض الفلسطينية، أما مصر فأرادته خندقاً متقدماً يحمي الأمن القومي المصري ويشكل له امتداداً وعوناً.
المشكلة هي في أن السياسة الفلسطينية، لا تبدي اهتماماً تستحقه غزة، وتبدو وكأنها هي الأخرى راضية عن عزلها، وأن سكانها هم الذين عليهم أن يتحملوا أعباء ما يعانونه، والمسؤولية عن خروجهم من هذه العزلة. صحيح أن المخططات الإسرائيلية الخبيثة تتركز في الضفة، وتستهدفها، وتدعي أن فيها إرثاً تاريخياً لليهود، ولذلك يسمونها يهودا والسامرة، ولكن الأمر مختلف بالنسبة للفلسطينيين، لكونهم شعبا واحدا، وقضية واحدة، ولهم أهداف وحقوق يسعون جميعاً، وكل بقسطه في تحقيقها.
الدول المانحة، ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين دأبت على التعامل مع قطاع غزة، من باب الإغاثة، والبعد الإنساني، وكان ذلك متوافقاً مع السياسة الإسرائيلية، فكان اعتماد جزء كبير من سكان القطاع، خصوصاً سكان المخيمات على ما يصل إليهم من مواد إغاثية، إلى أن أصبحت الإغاثة أقرب إلى التسول الجماعي.
منذ سبع سنوات، تعرض القطاع لحصار ظالم، لا يتوقف عن كونه عقاباً جماعياً غير مبرر، ويتعارض مع الشرائع الدولية. ولكنه، أيضاً، تعرض إلى حروب عدوانية لم تتوقف إلاّ لتتواصل من جديد، حتى بات البعض يعتقد أنها حرب دورية تتميز بالروتينية، ومنذ الثورة الشعبية المصرية في الثلاثين من يونيو/حزيران المنصرم، دخل القطاع في مرحلة من الحصار شديدة الصعوبة، والوطأة على السكان وذلك بدعوى تدخل حركة حماس في الشؤون الداخلية المصرية. لن نناقش هذا الأمر، وقد ناقشناه في مقالات سابقة، ولكن إذا كان من حق مصر أن تمارس سيادتها كاملة على أرضها وحدودها، وأن تحتفظ بحقها في حماية أمنها القومي، واستقرارها وتقدمها الداخلي، فإن ثمة جهة يتقدم إليها سكان القطاع بشكواهم، بل شكاواهم نتيجة الأضرار الكبيرة التي تلحق بهم. لن ندخل في جدل من يتحمل المسؤولية عن الانقسام وتداعياته، وآثاره الخطيرة، فهذه قضية أخرى، لا ينبغي للمواطن الفلسطيني أن يتحمل المسؤولية عنها وعن تبعاتها. بسبب ذلك، ارتفعت أسعار المواد واختفى بعضها، ولحقت أضرار بليغة بمصالح المواطنين، الذين لم يعودوا قادرين على السفر، وترتب على الناس أن يتحملوا أعباء المزيد من الضرائب، ونقص المحروقات هذا بالإضافة إلى الانقطاعات المنتظمة للتيار الكهربائي، في زمن التقدم الحضاري. وأتساءل : لماذا لا يُفتح معبر رفح على نحو طبيعي أمام الناس، بدون مصادرة حق الأجهزة الأمنية المصرية في منع سفر من تعتقد أنهم مسؤولون عن الاخلال بأمن مصر؟
وبالمناسبة، وبالرغم من أن الانقسام أدى إلى إقفال الكثير من مؤسسات المجتمع المدني، التي كانت تقدم بعض الخدمات والمساعدات، فإن ما بقي منها يعمل ضمن سقوف هابطة، وقد تراجعت بنسب كبيرة معدلات التمويل، والمانحون بدأوا يعملون على حسابهم الخاص ومباشرة، حيث هناك حوالي سبعين مركزاً ومؤسسة تعمل مباشرة مع الجمهور.
الكثير من المؤسسات بدأت تتخلص من بعض كوادرها وموظفيها، وتقلص خدماتها بسبب نقص التمويل، أما الأونروا فهي تعمل بصورة منهاجية لتقليص خدماتها حتى أبسط الخدمات التي كانت تقدمها.
هذه كلها سياسة ولها أسباب واستهدافات سياسية تتكامل لتحقيقها أطراف متعددة، ولكن السؤال هو ما ذنب الناس الفقراء والمعدمين، ما ذنب الشباب الخريجين الذين تتزايد اعدادهم سنويا دون أن تتوفر لديهم فرص عمل؟
ثم إلى متى ستبقى هذه المعاناة طالما أن الثابت هو أن سكان القطاع سيظلون على حلمهم وعلى عهدهم وعلى الدور التاريخي المقدر لهم؟


