خبر : نفيرُ حرب خفيض! ...توفيق وصفي

الأربعاء 30 أكتوبر 2013 10:51 ص / بتوقيت القدس +2GMT



تكادُ طبول الموسيقى العسكرية أن تُدَق والأبواق أن تَصدح، على وقع إنذارات إسرائيلية ورسائل فلسطينية من غزة، التي يعتري أهلَها توجسٌ وتوتر وهم يرون عساكر غزة ينتشرون بين أزقتها وشوارعها المحيطة بمراكزهم ومقراتهم بعد إخلائها، فيما يتردد في سمائهم هدير طائرات سلاح الجو الإسرائيلي، بعد أن "صَبَّحتهم" بغارة أعادتهم من جديد إلى مربع الاحتمالات، الحرب أحدها بلا ريب.

قصفٌ جوي إسرائيلي لمواقع حمساوية ونشاطٌ على مدار النهار والليل للآليات العسكرية الإسرائيلية على حدود غزة، تُسوّي الأراضي المنتهَكة وتقيم سواتر رملية جديدة، بينما ينشط أفراد الوحدات الخاصة في التسلل بين أشجار الزيتون والحمضيات الفلسطينية بحثا عن طرائد "حرزانة".. يقابل ذلك عمليات متفرقة للمقاومة، بالتزامن مع اعتراف كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس بمسؤوليتها عن النفق الذي كشفت عنه إسرائيل شرق خان يونس، وتأكيدها على أنها ستواصل العمل لمواجهة قوات الاحتلال وأسر جنودها بهدف مقايضتهم بأسرى فلسطينيين.
غزة تترقب كابوسا ثقيلا، وتظهر كأنها غافية في انتظاره، فبينما تواصل الطائرات المقاتلة وطائرات الاستطلاع تحليقها يغرق الناس في النوم، على وسائد التقديرات الرائجة منذ التهدئة الأخيرة في تشرين الثاني الماضي، بأن ما من شيء قد يعكر أحلامهم عن الكهرباء والوقود وفتح المعبر، فليناموا ملء جفونهم كما اعتادوا، دون ترقب أو اعتراض، وإلا لسعتهم سياط الاتهام بأنهم طابور خامس معادون للمقاومة.
هل على أهل غزة أن يكونوا جزءا من معادلة الربح والخسارة لأي طرف داخلي أو خارجي، دون أن ينعكس ذلك على معادلة أي منهم إلا بالخسارة، التي يصفها الشقيق والصديق بالتضحية، بينما يعتبرها العدو ثمنا لا مفر منه لتحقيق أهدافه العسكرية والسياسية، فلا يكف عن تحذير آلاف الغزيين عبر هواتفهم الأرضية والنقالة من مغبة التعاون مع المقاومة وحركة حماس بوجه خاص، وكذلك من الاقتراب من مراكزها ومقراتها، ملوحا بأنهم سيسقطون ضحايا حال وجودهم في محيطها!
يخشى الغزيون أن يكون ذلك حتميا، وهم لم يتعافوا بعد من تداعيات غزوتين استهدفتا غزة خلال أقل من خمس سنوات، لقناعة الأغلبية الساحقة منهم على اختلافهم بأن إسرائيل هي التي تقرر مدى جدية إنذاراتها وحدود أي عمل عسكري ضد غزة، حتى لو كان مصدر الشرارة فلسطينيا.
يخشون أن يكون قد حان التوقيت الإسرائيلي لعدوان جديد، مع توفر مسوغات كافية من وجهة النظر الإسرائيلية لشن حربين في وقت واحد، فثمة النفق غير المسبوق وإطلاق الصواريخ وعمليات متفرقة في الضفة الغربية أبرز أبطالها قناص الخليل؟ يخشون من تلميحات إسرائيلية بأن "حماس" تستعد لمواجهة مع إسرائيل كمبرر لضرب بنيتها التحتية والفوقية، دون أن يكون في حوزة الغزيين ما يحصنهم ويُمركز إرادتهم في اتجاه البقاء والصمود، ليس بفعل رسائل المخابرات الإسرائيلية الهاتفية، بل بفعل تهميشهم على مدار سنوات طويلة وسلب إرادتهم في الحياة نفسها، فكيف بإرادة للكفاح والاستعداد لتحمل المزيد من التضحيات، ليس فقط في سبيل حرية الرأي والتعبير وحقوق الإنسان كافة، بل من أجل الحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية، التي لا بند فيها يشير إلى الديانة ولا الحزب أو الفصيل.
الحياة في غزة ماضية على طبيعتها المتكررة منذ سنين، وإن كان إيقاعها مضطربا يميل إلى الكسل، دون أن تنجح لغة التهديد والتحذير في إثارة ذعرهم، لقناعتهم بأنه لا عاصم لأحد إلا الله، ولا أن تستنهضهم لغة الإعداد لنصر آخر فيمتشقون سيوفهم ورماحهم، التي لا يملكونها في الأصل!.
t