حسب العديد من المراجع التاريخية ـ السياسية، فإن تشجيع القوى الغربية على قيام دولة إسرائيل عام 1948، جاء إضافة إلى عناصر عديدة، كعنصر ضمان لاستمرار المصالح الغربية في المنطقة العربية التي تعتبر خزاناً للنفط الضروري لاستمرار الصناعة الغربية، ولضمان أمن الناقلات التجارية بين الشرق والغرب بين أوروبا وآسيا تحديداً، عبر قناة السويس، حروب المنطقة المتتالية لم تكن سوى تعبير عن خلق ضمانات حقيقية كافية لاستمرار التجارة عبر هذا المرفق الحيوي الدولي ـ قناة السويس ـ والتي باتت مع الوقت، أكثر المعابر حيوية للتجارة الدولية، وفي السنوات الأخيرة، وبعد الطفرة النفطية في الخليج العربي والشرق الأوسط، شكل التطور التجاري والصناعي في جنوب شرق آسيا، كالصين وكوريا الجنوبية، ليزيد من أهمية هذا المعبر المائي الذي يبلغ طوله 193 كيلومتراً يمتد من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط، وتمر عبره البواخر التجارية يومياً من المتوسط إلى الأحمر واليوم التالي بالعكس، وما زال هذا المرفق الدولي آمناً حتى الآن على الرغم من التهديدات المستمرة التي أشعرت كبار التجارة الدولية بالقلق، خاصة بعدما بات هذا المرفق محاصراً بالقوى الارهابية في شبه جزيرة سيناء.
كانت إسرائيل، هي التي أولت إيجاد بديل لهذا المعبر الدولي أهمية قصوى، وهناك مشاريع عديدة تم التخطيط لها من خلال شق قناتين بين إيلات على البحر الأحمر، والبحر المتوسط، إحداهما من الأحمر إلى المتوسط، والثانية بالعكس، على خلاف الأمر في قناة السويس، وبحيث يكون هذا المعبر، أكثر سرعة وربما أماناً من قناة السويس إلاّ أن هذا المشروع ما زال في الأدراج ينتظر الفرصة المناسبة لتنفيذه.
في الأشهر الأخيرة، تبين أن التهديد بإيجاد بدائل لقناة السويس، ليس مقصوراً على إسرائيل فقط، بل إن هذه التهديدات ذات الطبيعة التجارية، تم البدء بتنفيذها فعلاً، ولكن بعيداً عن شق قنوات مائية بين الأحمر والمتوسط، أبعد بكثير مما يتوقعه أحد، إذ إن هذا التهديد جاء من المحيط المتجمد الشمالي، أبعد نقطة يعرفها البشر في الكرة الأرضية، وذلك عندما انطلقت وللمرة الأولى إحدى السفن التجارية من ميناء فانكوفر الكندي مجتازة غرين لاند في طريقها إلى فنلندا، وهي رحلة بالغة الصعوبة، إلاّ أن العوامل البيئية المترتبة على ارتفاع درجة حرارة الأرض وذوبان الجليد في المحيط المتجمد الشمالي، سيجعل من مثل هذه الرحلات التي تربط بين شمال غرب الكرة الأرضية مع شمال شرقها، مخترقة القارات والبحار مما يسهل عبور القوافل البحرية التجارية بشكل أكثر سرعة وربما أكثر أمناً، مع أن تزايد ذوبان الجليد في ذلك المحيط، ربما سيخلق إشكاليات بدأت بالفعل، حول طبيعة حدود البلاد التي تقع في اطار هذه البقعة بعد ذوبان الثلوج، خاصة وأن العديد من الأبحاث أشارت إلى وجود النفط بكميات هائلة ما كان ممكناً الوصول إليها، لكن ذلك سيصبح ممكناً بعد زوال الثلوج بالتدريج عن هذه المنطقة التي لم يتمكن الإنسان من الوصول إليها حتى الآن.
الدراسات تشير إلى أن قناة السويس ستتضرر كثيراً في هذه الحال، فالسفينة التي تقطع الطريق من لندن إلى طوكيو عبر قناة السويس تضطر للإبحار نحو 21 ألف كيلو متر، بينما لن تقطع سوى 13 ألف كيلومتر في حال استخدام الممر الشمالي الغربي، إلاّ أن ما يحول دون ذلك في الوقت الحالي، هي طبيعة سفن الشحن الحالية غير المجهزة بمدمرات الجليد، إضافة إلى اعتراض أنصار البيئة، لأن هذه السفن تنشر مخلفات الزيت والوقود في منطقة بحرية هادئة، ويعتبر هذا العنصر ـ أنصار البيئة ـ بالغ الأهمية لأن هذه القوى ذات تأثير على الرأي العام، ولديها إمكانيات جيدة في الاعتراض في البحر والبر على السواء في مواجهة الأخطار البيئية الأكيدة في حال اتخاذ هذا الخط التجاري للنقل البحري بين القارات.. لكن ذلك بحاجة إلى مزيد من الوقت والسنوات لكي تصبح إمكانياته عملية.
أما الخطر الثاني الماثل حالياً على قناة السويس، فيأتي من خط سكة حديد يربط برياً بين روسيا وكوريا الشمالية، تم البدء به منذ عشر سنوات وبطول 54 كيلومترا، وسيسمح هذا الخط بالربط بين شبكة الطرق الحديدية الأوروبية التي يبلغ طولها حوالي 800 كيلو متر، وبين أقصى شرق آسيا، لكي تنتقل الحركة التجارية عبر السكك الحديد، بين القارتين، آسيا وأوروبا، أسرع ثلاث مرات من قناة السويس، وبلغة الأيام، فإن النقل عبر السكة الحديدية هذه بين القارتين، سيستغرق 14 يوماً، في حين أن ذلك يتطلب 45 يوماً عبر قناة السويس.
قد لا تكون قناة السويس مهددة الآن بهذه البدائل، إلاّ أن استمرار حروب المنطقة المتاخمة للقناة، والتهديدات المستمرة على أمنها من قبل قوى الارهاب، ربما يجعل هذه التهديدات أكثر احتمالاً من أي وقت مضى، والحديث عن متغيرات الخارطة السياسية للمنطقة، لا يتعلق بالدول وتقسيماتها المحتملة فحسب، بل وايضاً، هذا المعبر الدولي بالغ الأهمية للعالم كله !!
Hanihabib272@hotmail.com – www.hanihabib.net


