خبر : مجتمع مع وقف التنفيذ..عصام يونس

الثلاثاء 29 أكتوبر 2013 10:59 م / بتوقيت القدس +2GMT
مجتمع مع وقف التنفيذ..عصام يونس



بين الرغبة والقرار، وبعض من دعوات، ولقاءات كثيرة، واتفاقات عدة، واقتراب من التفكير خارج الصندوق، تأبي المصالحة إلا أن تراوح مكانها، في وقت تتعاظم فيه مفاعيل انقسام الفلسطينيين عمقاً في حال مأساوية تسلبهم أي ممكنات لإعادة الاعتبار لقضيتهم، التي تضررت كثيراً عبر سنوات من التجريب السياسي، عملت على تفتيّت المتفتت وتشظّية المُشظي.

وإدراكاً بأن الوقت لايسير في مصلحة انهاء الانقسام، فإن انهائه كان، ولا يزال، وسيبقى أحد الأولويات الوطنية، ما يقتضي التأمل فيه ومحاولة تفكيك أسباب الفشل في جعله جزءاً من ماضٍ حزين لشعب لا يزال يرزح تحت الاحتلال ويتوق إلى الحرية.

إن ذلك يقتضي إعادة النظر في المفاهيم ذاتها، وفي التعامل معها، لا سيما في واقع شديد الاستثنائية، ليس فقط كونه يخضع لسيطرة الاحتلال، بل أيضاً لهشاشتة وانكشافه واعتماديتة الهائله على ما عداه، ما يجعله شديد التأثر بأي تطورات محلية، واقليمية، وكونية.

ويجب ادراك أن الواقع لم ولن يكون في حال من الكمون، وكذا مفاهيم الانقسام والمصالحة شديدة التفاعل، بالغة الدينامية، فواقع الانقسام في تفاصيله الراهنة مختلف عما كان عليه في الأعوام السابقة.

إن الفشل في انهاء الانقسام، حتى اليوم، يجب النظر إليه جوهرياً في شكل مختلف وأكثر عمقاً، في محاولة لتقليل كلفته على مستقبل الأجيال القادمة وعلى القضية والمشروع الوطني.

إن نقطة البدء في تناول الانقسام، ومن ثم المصالحة، تكمن في ضرورة التعامل معها كجزء من العملية الكفاحية للشعب الفلسطيني، وليس النظر اليها بتبسيط حالم كونها مدخلاً للوحدة الوطنية، أو الأساس، الذي يمّكن الفلسطينيين من انجاز مشروعهم الوطني، أو بتنظير سياسي، يربطها حصرا بالارادات السياسية، التي قد تتوافر، أو تُختطف اقليمياً ودولياً.

منذ أن انفصلت قوات الاحتلال أحادياً عن قطاع غزة، بدا واضحاً أن اسرائيل تسعي، أولاً: إلى تفتيت الوحدة السياسية الواحدة في الضفة الغربية وقطاع غزة في انقلاب، حتى، على نص صريح في اتفاق اوسلو يؤكد على وحدتها وعدم جواز المساس بها، وثانياً قطع الطريق أمام أي ممكنات لقيام الدولة الفلسطينية العتيدة، وكي وعي الفلسطينيين بإمكان قيامها.

إن الانفصال الأحادي عن القطاع، الذي كان تتويجاً لعمل اسرائيلي منظم على مدى سنوات كان يهدف، ولا يزال، من ناحية استراتيجية إلى التخلص من ثلث "خازوق" الديمغرافيا، الذي وجدت اسرائيل نفسها فيه عبر التخلص من غزة، في محاولة لدفعها جنوباً نحو مصر، وفي الدخول في سباق محموم مع الزمن لتغيير معالم الجغرافيا والديمغرافيا في باقي الأراضي الفلسطينية المحتلة.

إن قرار الانفصال الأحادي لم يكن قراراً انفعالياً، بل واعياً إلى درجة مذهلة، ولا يقل في معانيه ودلالاته وتأثيراته الاستراتيجية عن قرار قيام اسرائيل نفسها في العام 1948، ما يستدعي النظر إليه كونه حلقة أخرى في سياق محاولة حسم القضايا الكبرى في الصراع.

إن اسرائيل لن تسمح بالاقتراب من المصالحة، ولن تتساهل معه، ما يعني أنها لن تسمح للفلسطينيين، طوعا ومن دون كلفة، باعادة اللحمة الى نظامهم السياسي، وترميم وحدة أراضيهم، بما يمّكنهم من اعادة الاعتبار لقضيتهم ومشروعهم الوطني.

فاسرائيل انفصلت عن غزة، وفصلتها عن وحدتها السياسية، كي لا تسمح لها، ولباقي الأراضي المحتلة، بالتوحد مجدداً، بل بتعميق انفصالهما نظرياً وتطبيقا، فعلاً وممارسة.

علاوة على ذلك، فإن اسرائيل راهنت ونجحت إلى حد كبير في جعل الانقسام ذي الديناميات العالية والخطيرة يُعيد انتاج نفسه بفعل عاملي الزمن والتفتيت القائم، في تعظيم للانقسام ذاته، وخلق حقائقه المأساوية على الأرض، بوعي من الفلسطينيين أو من دونه، تبدو أنها ستكون بلا رجعة، أو على أقل تقدير سيكون من الصعب تجاوز تأثيراتها بزوال أسبابها.

إن كل يوم من الانقسام يمر على فلسطين يكلف الفلسطينيين فجوراً من التشظية والتفتيت، وتهديداً حقيقياً لوحدة هويتهم الوطنية الجامعة، ويسجل نجاحاً للمشروع الصهيوني، وابتعاداً أخر عن إنجاز المشروع الوطني.

إن إنجاز المصالحة، كفعل كفاحي يجب النظر اليه في ذاته كإنتصار بالنقاط للفلسطينيين على المشروع الصهيوني، فمقاومة الانقسام تصبح مثل مقاومة الاستيطان والجدار وتهويد القدس، وجزءاً من عملية كفاحية على الشعب الفلسطيني أن يخوضها، وأن تتوافر لها أسباب النجاح، مهما كانت كلفتها، وليس انتظار ضوء أخضر من أي طرف كان.

يشير الواقع المأساوي في فلسطين المحتلة، عشية اكتمال ملامح نظاميين سياسيين أحدهما في الضفة، وآخر في غزة، إلى أن الأولوية يجب أن تكون بالفعل لا بمواصلة بيع المواطنين هموهم وإعادة اجترار التوصيف من جهة، والبحث في كل الممكنات، وليس الاستكانة إلى قدرية الظروف كمفعول وليس كفاعل من جهة ثانية، بما يجنب الفلسطينيين شعباً وأفراداً مزيداً من الكوارث والفرقة والتفتيت، ما يؤكد حيويته كشعب جدير بالحرية.

وإذا لم يكن بالامكان انهاء الانقسام، فإن الأولوية يجب أن تكون، حكماً وواقعاً، في وقف الانهيار في بنى المجتمع ومقدراته السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية عند الحال، التي وصلت اليها ودفعها إلى الامام، لا نحو مزيد من الانهيار.

تكمن خطورة الانقسام في أنه ليس فقط يخلق وعياً زائفاً به، بل لحقيقة أنه يُعيد انتاج نفسه كقدر لا فكاك منه، وبالتسليم بأن غزة والضفة لم تكونا سابقاً وحدة واحدة لنجهد أنفسنا في توحيدهما الآن، وهما اللتان تطورتا في سياقات تاريخية مختلفة نسبياً، وأن وحدتهما تشكل عبئاً كلاً على الآخر.

لا يمكن أن تكون حياة المجتمعات مشروعاً مع وقف التنفيذ، أو مؤجلاً، أو أن يجري إخضاع مستقبل أجيالها لقدرية مفرطة تحكمها الرغبات والتوظيف النفعي السياسي، بل العمل على كسر حدة الاقصاء والاغتراب في المجتمع، الذي باستمراره لا يمكن تعزيز صمود أبنائه، ولا انجاز المشروع الوطني.

إن توسيع هوامش الفعل أمام المواطنين لممارسة حرياتهم وحقوقهم الأساسية من جهة، وانجاز المشروع الوطني من جهة ثانية، يرتبطان معا ارتباطا عضويا لا انفصال فيه، فلا يمكن لمن يسعى الى الحرية ويتوق إليها أن يكون مشروع فرد حر مؤجل أو مع وقف التنفيذ، فالأحرار فقط هم من يصنعون الحرية.

كل ذلك يجب أن يدفع، في هذا الوقت بالذات، نحو التوافق وفي شكل عاجل، على خيارات ذات كلفة سياسية محدودة، ولا تحتاج إلى أي ضوء أخضر من أي طرف، ومن بينها انتخابات المجالس البلدية، وغيرها من المؤسسات مثل اتحادات الطلبة في الجامعات والغرف التجارية والنقابات ومجالس الأندية...الخ، ما يعني الشروع فوراً في إشاعة أجواء الحرية، التي تمّكن المواطنين من الانخراط الفاعل في المجتمع بالتعبير عن ارادتهم الحرة في إدارة شؤونهم، وتمّكن مكونات الطيف السياسي من المشاركة بفاعلية وحرية في ظل اجراءات شفافة ونزيهة.

إن تلك الانتخابات ستعيد حتماً تجديد حيوية تلك المؤسسات، وتوسع هامش مشاركة المواطنين في إدارة شؤونهم، ما يشكل خطوة ذات دلالة مهمة لإذابة جبل الجليد، والتأسيس لشراكة سياسية عنوانها الأساس وحدة الأراضي الفلسطينية، وانجاز المشروع الوطني.

إن أكثرنا تشاؤماً لم يتوقع للانقسام أن يستمر أكثر من بضعة أشهر، وها هو الآن ينهي النصف الأول من عامه السابع، ما يُثير سؤالاً واجباً: ألا يستحق ذلك التأمل في تأثيراته الكارثية على مختلف مناحي حياة الشعب الفلسطيني من تعليم وصحة وزراعة وأمن وقضاء؟.

وهل يمكن على سبيل المثال، الاستمرار في عدم الاقتراب من القضاء، بدعوى عدم شرعيته في وقت يُصدر فيه أحكامه على المواطنين ويتم تنفيذها إعداماً كانت أم سجناً، تلك الأحكام التي تُنشيء مراكز قانونية جديدة وتُنهي أخرى ونحن فاغرو الأفواه نرقب ما يحدث وكأننا سائحون في وطننا أو متواجدين فيه بمحض الصدفة.

مهما كانت النظرة الى القضاء، فإن ذلك لا يُعفي صاحبها من المثول أمامه، لو اقتضى الأمر!! ألا يستحق الأمر إعادة التفكير وبمسؤولية وطنية بعيداً عن التوظيف السياسي، بما يؤسس لتوحيد القضاء وإعادة الاعتبار له والاشتباك الايجابي معه، ما يخفف عن كاهل المواطنين ويضمن كفاءة الجسم القضائي وتأهيل القضاة أنفسهم واستقلاله وفرض رقابة حقيقية عليه.

القضاء هو مثال، وهناك عشرات القضايا، التي تستحق تأملاً ومراجعة على طريق وقف الانهيار وإنهاء الانقسام كعمل كفاحي ومقاوم. إنها المسئولية الوطنية وساعة الحقيقة، التي توجب على الجميع أن يراجع نفسه، ومن كان منكم بلا خطيئة فليرجمها بحجر.