خبر : حين يلهو أطفالنا بمباركة وزارية فوق أرض سرطانية..حازم البنا

الأحد 20 أكتوبر 2013 10:39 ص / بتوقيت القدس +2GMT
حين يلهو أطفالنا بمباركة وزارية فوق أرض سرطانية..حازم البنا



في عيد الأضحى خرج وزير الشباب والرياضة في غزة " د.محمد المدهون " ليصرح بأن "الشعب الذي يحول أماكن السجون الظالمة لمتنزهات وملتقيات للحرية فإنه شعب يستحق الحياة " في إشارة منه جاءت خلال افتتاح مدينة الألعاب " ليالي العاب الحرية " المقامة على أرض مجمع أبو خضرة الحكومي الذي دمرته إسرائيل بالكامل خلال حرب الأيام الثمانية على غزة في 21 من نوفمبر 2012 م .

قال الوزير هذه الكلمات وعلى ما يبدو أنه قد غاب عن ذهنه وأذهان المسئولين عن إقامة هذه المدنية الترفيهية المخاطر المحتملة لتلوث أرض مجمع أبو خضرة بالإشعاعات الكيماوية بعد أن قصفته إسرائيل خلال الحرب الأخيرة على غزة قبل أقل من عام بنحو سبعة صواريخ من طائرات اف 16 قد تحمل مواد مشعة.

صحة هذا الافتراض يحتاج لخبراء مختصين في كشف التلوث الإشعاعي للتربة ،، وهنا أتساءل هل قام المسئولون عن إقامة هذه المدنية الترفيهية بكل التدابير والفحوصات السليمة والكافية لضمان سلامة ارض مجمع أبو خضرة من خطر التلوث الإشعاعي أو الكيماوي ؟!؟ هل فكروا أولاً بزراعة الأشجار فيها كأحد الوسائل العلمية المتبعة للحد من تلوث التربة بالمواد المشعة ليعرفوا إذا ما كان باطن هذه الأرض يحمل أسباب الحياة ؟!؟

إذا لم تتحرى الجهات المعنية في غزة من سلطة جودة البيئة ووزارة الصحة وغيرها من الجهات المسئولة عن صحة وسلامة المواطن التحقق من صحة هذا الافتراض قبل إقامة المدينة الترفيهية وبعدها ،، فربما تحمل السنوات القادمة كارثة صحية ستصيب مئات الأطفال والنساء والرجال الذين لهوا في هذه المدنية بخطر الإصابة بالسرطان .

تقول الأبحاث العلمية حول خطر الإصابة بالمواد المشعة بأن خطورة العناصر المشعة تأتي من كونها ذات صفة تراكمية أي أنها تنتقل من الوسط إلى الكائنات النباتية والحيوانية مع زيادة في التركيز في كل مرحلة من مراحل انتقالها عبر السلسلة الغذائية ، وإذا تلقى الجسم أو أي عضو من أعضائه دفعات متقطعة حصلت فيه أضرار مختلفة ، وحتى الجرعات القليلة جداً من الإشعاعات يمكن أن تؤثر على خلية واحدة ، وإن كانت الخلايا المتضررة هي الخلايا الجنسية فيمكن أن يحدث خلل وراثي والذي من الممكن أن ينتقل إلى الأجيال القادمة ، أو يحدث تشوهات عند الأطفال الذين يولدون في مناطق تعرضت إلى مصدر إشعاعات كما هو الحال عند الأطفال اليابانيين الذين ولدوا بعد إلقاء القنابل الذرية على هيروشيما وناغازاكي سنة 1945 وكما هو الحال عند الكثيرين من أطفال العراق .

في غزة يدرك الجميع أننا نفتقد للخبرة البشرية والتكنولوجية في الكشف عن مخاطر التلوث الإشعاعي أو الكيميائي في مكونات البيئة ، لكن هذا الإدراك الجمعي لا يجب أن يعمينا عن حقيقة الأمر والعمل بكل جهد لمنع الكوارث المحتلمة من وقوعها .

فحين نعلم بعد تحقيقات دولية أجريت في غزة بعد حرب 2008/ 2009 أثبتت فيها بأن إسرائيل ألقت على القطاع ما يعادل 70 طن من اليورانيوم حملتها صورايخها المحرمة دولياً ،، فهذا يجب أن يشكل ناقوس خطر لدى الجهات الرسمية في غزة يدفعها للتحرك في كل الاتجاهات وبكافة الوسائل لحماية السكان من مخاطر إصابتهم بالملوثات الإشعاعية والكيميائية التي تسبب السرطان .

وحين يحذر الأطباء المختصين في علاج السرطان في غزة من هذه المخاطر ويرجحون ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان في القطاع خلال السنوات القادمة بعد استخدام إسرائيل لصواريخ محرمة دولياً ، يدفعنا ذلك للتوقف كثيرا عند قول هؤلاء الأطباء بأن العوامل السرطانية لدى المرضى الذين تأثروا باليوارنيوم تحتاج من 5 إلى 10 سنوات كي تغير في خلايا جسم الإنسان وتشكل الورم السرطاني .

كما أنهم في ذات السياق أشاروا إلى أن من بين أسباب انتشار العوامل المسرطنة في غزة هو إعادة استخدام ما تم قصفه من مباني في الحرب على القطاع بعد طحن الركام وإعادة بنائه من جديد وهو ما قد يساهم في انتشار اليورانيوم والمواد المشعة والكيماوية على مساحات واسعة بما يهدد أرواح الكثيرين بالخطر.

فهل تقترب غزة من كارثة حرب سرطانية وهي على أعتاب إحياء الذكرى الخامسة للحرب الأولى عليها ؟!؟ وهل ستحصى غزة مزيدا من ضحايا الأورام السرطانية بعد خمسة أو عشرة أعوام أخرى بعد إقامة مدينة " ليالي ألعاب الحرية " على أرض لم نتحقق بعد من خلوها من المواد المشعة ؟!

وليت مقالي يتسع لأحدثكم عن واقع مرضى السرطان في غزة في ظل نقص العديد من الأدوية والجرعات الكيماوية اللازمة لعلاجهم وعدم توفر الأجهزة الطبية المهمة للتشخيص والكشف المبكر عن السرطان وتعطل أجهزة أخرى لم تجد طريقها للإصلاح بعد مع استمرار الحصار الإسرائيلي الذي حرم مرضى السرطان وغيرهم من فرصة تلقي العلاج بالخارج .

وحدهم هؤلاء المرضى ومن خلقهم يعرف شدة ألم من ابتلي بهذا المرض العضال ، ووحده القدر يعلم كم سينجوا من سكان القطاع بعد ملوثات كثيرة أصاب ماءهم وهواءهم وتربة أرضهم مع نقص الخبرة والإمكانات والمسؤولية في الكشف عنها ومكافحة انتشارها .

وبعد كل هذا البلاء أتمنى أن تتحقق مستقبلا تصريحات الوزير المدهون في مقدمة مقالي بأن شعب غزة يستحق الحياة ، ولكن قبل أن يعمل المسئولون على تحقيق تلك الحياة يتوجب عليهم أن يحرصوا على توفير مقومات الصحة والكرامة فيها لا أن يجعلوا من قضية الحصار مدخلاً لاستثمار الأموال على حساب الأرواح ،، وإن لم نستدرك ذلك مع عظيم المخاطر القائمة فأخشى كما يخشى الكثيرين أن تصدق نبوءات تقرير الأمم المتحدة بأن غزة لن تكون قابلة للحياة مع مطلع عام 2020 م .