أميركا تمنع معوناتها ومساعداتها عن مصر، فتعاقب نفسها، إذ يبدو أن مصر أقل تضرراً من الولايات المتحدة على هذا الصعيد، على الأقل هذا ما يمكن التوصل إليه بعد مراجعة العديد من المواقف الأميركية، السياسية والإعلامية إثر قرار واشنطن تعليق جزء من المساعدات العسكرية والذي يبلغ 1,3 مليار دولار سنوياً، وتكاد معظم آراء هذه الجهات تتفق على أن هذا القرار سيشكل إضراراً بالمصالح الأميركية ويشير إلى أن إدارة أوباما لا تعرف ماذا تفعل إزاء تطورات الوضع السياسي في جمهورية مصر العربية، وقد استخدم مصطلح "ارتباك" على نطاق واسع لوصف السياسة الأميركية إزاء القاهرة.
وتعيد وسائل الإعلام الأميركية إلى الذاكرة تجربة المعونات الأميركية لمصر في عهد رئيسها جمال عبد الناصر، بعدما أوقفتها عدة مرات كشكلٍ من أشكال العقوبة، الأمر الذي زاد من شعبية عبد الناصر وامتدت من مصر إلى كل الشعوب العربية، ودفعت الاتحاد السوفياتي ليشكل بديلاً أقل ضرراً وتدخلاً ليخترق المنطقة بنفوذه الذي استمر حتى حرب أكتوبر 1973، دون أن تنسى هذه الوسائل أن المعونات الأميركية لمصر، تظل محدودة وقليلة الأثر من حيث أبعادها المادية، خاصة بعدما بلغت المساعدات العربية لمصر بعد ثورة 30 يونيو/ حزيران 12 مليار دولار تم دفعها فعلاً من قبل كل من السعودية والإمارات والكويت مع وعود بمساعدات إضافية، مالية وعينية، ما يجعل القاهرة أكثر استقلالاً في رفضها لأية شروط تضعها واشنطن لاستئناف ضخ مساعداتها المحددة.
الارتباك الأميركي لا يعود إلى القرار الأخير بتجميد المساعدات جزئياً، بل إنه يرجع أساساً إلى التهديدات لاتخاذ هذا القرار، فمن تهديد بوقف كامل وشامل للمساعدات، إلى التهديد بوقف جزئي وتعطيل بعضها حيناً وانتهاءً بتأجيل المساعدات لحين تشكيل حكومة منتخبة، فيما يقول وزير الخارجية الأميركي في حديث هاتفي مع وزير الخارجية المصري أن المساعدات الأميركية لا تزال مستمرة، ونفس هذا الحديث دار بين وزيري الدفاع في البلدين، في حين أشارت بعض وسائل الإعلام الأميركية الى أن وزيري الخارجية والدفاع الأميركيين تحفّظا على القرار الأميركي الصادر في البيت الأبيض حول تجميد المساعدات لمصر.
ولتوضيح لماذا وصفت بعض وسائل الإعلام الأميركية موقف واشنطن "بالمربك" أشارت على نطاق واسع على الطريقة التي تعاملت بها أميركا مع الأزمة السورية، عندما اتخذت واشنطن مواقف متناقضة ومتأرجحة إزاء تلك الأزمة، إلى أن نجحت موسكو في الإمساك بخيارات الأزمة وتداعياتها وباتت المواقف الأميركية تابعة للمواقف الروسية، خاصة بعد أزمة السلاح الكيماوي السوري، الطريقة التي تعاملت بها واشنطن مع كل من الأوضاع المصرية والسورية، دعوة مفتوحة لموسكو للعودة بنفوذها إلى المنطقة بسهولة وسرعة أكبر مما توقعه البعض وذلك كله بفضل السياسة المربكة لإدارة أوباما.
وفي حين ترى بعض الأوساط الأميركية أن قرار الإدارة في البيت الأبيض المشار إليه، يشكل انتقاماً من عناد القيادة المصرية الناشئة عن ثورة الشعب المصري على حكم الإخوان، فإن هذه الأوساط تخشى من أن هذا الانتقام لن يساعد واشنطن في تحقيق شعاراتها حول "الديمقراطية" بل تعزيز دور العسكر وتأهيلهم للحكم، والدليل على ذلك، الشعبية المتزايدة للفريق أول السيسي الذي بات رجل المرحلة المؤهل لقيادة مصر إلى المستقبل، كما أن مواقف البيت الأبيض الانتقامية ستعزز الاعتقاد السائد في مصر على نطاق واسع من أن إدارة أوباما كانت وراء وصول جماعة الإخوان إلى الحكم، وأنها لا تزال تساعدهم للعودة إلى الحكم من جديد، وهي قراءة خاطئة لطبيعة التطورات المصرية، ذلك أن القرار الأميركي عديم الجدوى من حيث الضغط، إلاّ أنه بالمقابل سيؤدي إلى فقدان دورها في المستقبل، ويقول اريك تراجر، أحد كبار الباحثين في "معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى" أن "القول بأن الجيش أطاح برئيس منتخب ديمقراطيا هو تجاهل للواقع الذي أثبت خروج احتجاجات شعبية غير مسبوقة ضد نظام الإخوان المسلمين في 30 يونيو/حزيران الماضي، كما أن الابقاء على جزء من المساعدات، يدعم الرؤية التي تؤمن بأن الغرض الأساسي للمعونات العسكرية هو حماية إسرائيل دون الأخذ بالاعتبار المصالح المصرية.
نجاح واشنطن في استثمار التحولات السياسية في إيران، لا يشكل بأي حال بديلاً عن الدور المصري في المنطقة العربية، الدور الإيراني المؤثر في المنطقة كان عندما اتخذت طهران مواقف معادية للولايات المتحدة، ولكن عندما تقترب إيران من أميركا أكثر، فإن نفوذها في المنطقة سيبقى محدوداً وربما معدوماً، أما الحالة المصرية فمختلفة تماماً، مصر، حتى في أيام ضعفها ظلّت أكثر الدول تأثيراً، العرب على الصعيد الشعبي والرسمي، أكثر انشداداً إلى القاهرة، كان الأمر كذلك وسيظل في المستقبل، وأي حسابات خاطئة ورهانات غير مدروسة، لن تؤدي إلاّ إلى سياسات ومواقف خاطئة ومربكة، وهذا هو الوصف الدقيق لسياسة البيت الأبيض الراهنة، الأمر الذي يجعل إدارة أوباما لا تفقد مصداقيتها فقط، بل تأثيرها على الخارطة السياسية في هذه المنطقة التي تقبع على رمال سياسية متحركة!!
Hanihabib272@hotmail.com
www.hanihabib.net


