خبر : انتخابات ناعمة../معاريف

الأحد 30 ديسمبر 2012 02:45 م / بتوقيت القدس +2GMT
انتخابات ناعمة../معاريف



ظاهرا، تجري في اسرائيل حملة انتخابات. الاحزاب تتنافس بينها. توجد حملات دعائية. المراسلون يرفعون التقارير، المحللون يحللون. بعد قليل ستكون المنافسة نفسها. أما الحديث الاسرائيلي كله فيجري في ضباب ما غير مفهوم، موجه وكاذب جدا. ظاهرا، الجمهور سيرسم الطريق الاسرائيلي للسنوات القادمة، بما في ذلك الحرب والسلم، الاقتصاد والمجتمع. ويفترض بهذا ان يكون الحديث الذي يجري الان. اما عمليا، فهو يعنى بجودة الاستشارة التي يمنحها آرثور فينكلشتاين لبنيامين نتنياهو، او بهجوم آخر مليء بالنوايا الانتخابية ضد جهاز القضاء مثلما ينشر في هذه الصفحات. كما يعنى الحديث بتوسع في الهجمات الطائفية من جانب شاس. في محاولات الفروقات اليائسة بين احزاب الوسط – اليسار. وهذا ليس حديث عن جوهر الانتخابات. انه تكتيك. هراء السياسة في ظل السياسة. وفي قبالة خفة الرأي هذه، توجد الحقائق. ومثلما هو الحال دوما، نوجد نحن هنا في فوهة بركان. ففي غضون أقل من سنة، ستتخذ القرارات عن ايران. وهذه ستكون لحظات حسم مصيرية – هذه المرة لن يكون هذا كليشيه عادي. في المناطق تجري هذه الايام، حسب معطيات الجيش الاسرائيلي الجافة والواقعية، انتفاضة صغرى. يوجد ارتفاع بمئات في المائة في أعمال الاخلال بالنظام واحداث العنف (هذه ليست احبولة اعلامية بل حقائق). وفي جهاز الامن هناك من يقدر بان التصعيد العنيف والجماهيري هو مسألة اشهر قليلة. في الساحة الدولية توجد اسرائيل في أزمة عميقة بما في ذلك امكانية – حسب رأي وزارة خارجية ليبرمان! – أن يعرض الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة حلا مفروضا للنزاع الاسرائيلي – الفلسطيني. وفتح الاقتصاد الاسرائيلي هوة ميزانية هائلة وركود هاديء آخذ في أن يتحول الى صاخب أكثر. فمحافظ بنك اسرائيل يتحدث عن الحاجة الى رفع دراماتيكي للضرائب، لانه في غضون سنتين ستصل حفرة الميزانية الى 25 مليار شيكل. وبالنسبة للطبقة الوسطى الاسرائيلية، لم ينشأ اي شيء طيب منذ ايام الاحتجاج الكبرى. قبل نحو سنتين كتبت هنا مقالات عن الحلف بين مباركيين، القطاعيين وأرباب المال، وأحد من هذا الثلاثي لم يتضرر. القطاعيون هم ملوك الانتخابات. سياسيون يعرفون منذ الان بان الاحتجاجات يمكن اطفاؤها وطيها في النسيان، وارباب المال باتوا بعد الحلاقة المخففة. شقة متوسطة كانت تتطلب 127 راتب قبل سنتين، اما اليوم فنحو 150. وبعد قليل سيرتفع حساب الكهرباء بـ 10 في المائة، وتأتي ارتفاعات في الضرائب وربما، لا سمح الله، ركود. وبين هذا وذاك ستكون "انتخابات".نعم، يوجد احساس بالطمس للمواضيع الحقيقية التي ستؤثر على حياتنا، وتطل اشباحها فقط. اما المواجهة الحقيقية فلا تتم. ولا حتى مواجهة تلفزيونية. المرشحون لا يُفحصون ولا يُسألون عن مواقفهم الاساس (والاهم من ذلك: خططهم المستقبلية) بالنسبة للازمة الايرانية، التدهور في يهودا والسامرة، وضع اسرائيل السياسي، الازمة الاقتصادية التي تكمن في الظلام وأزمة الطبقة الوسطى التي باتت هنا. وفي بعض الاحيان يطلق شعار ما لرفع العتب، ولكن نحن أيضا، في وسائل الاعلام، لا نحمل الاحزاب المسؤولية. نحن لا نطلب الاجوبة من الجميع، ولا سيما ممن هو مسؤول الان – الحكومة الحالية. فهل يعرف احد ما ما هو البرنامج السياسي لرئيس الوزراء؟ ماذا سيفعل بعد لحظة من الانتخابات، اذا ما انتخب؟ هل سمعنا نقاشا في ستديو تلفزيوني يترافق وأرقام حقيقية ترتبط بحياتنا حقا؟ مناكفة بين السياسيين على الحقائق – كتلك التي تصل الى العناوين الرئيسة؟  الى اين اختفى تحديد الاجندة من خلال اقتراح استثنائي يلزم بموقف من اللاعبين الاخرين (انظر بيغن وترميم الاحياء، باراك والخروج من لبنان، رابين وتغيير سلم الاولويات)؟ القرارات الحاسمة التي عددناها هنا – ايران، الاقتصاد، علاقاتنا مع العالم، المسيرة السياسية – تتلبث في صدى غامض في حملة الانتخابات. صدى يخرج بصوت خافت؛ شر قد يأتي، ولا يزال لم يأتِ وهو محتم. إذ نعرف جميعنا، أو نعتقد أننا نعرف بان على اي حال لا معنى لهذه الانتخابات. وكأننا تنازلنا منذ الان. للانتخابات يوجد دور في الديمقراطية. فهي لا تمنح فقط الصلاحيات لصاحب السيادة، الذي هو الشعب، للمشرعين وأصحاب القرارات. بل هي تحمل معها عامل تنقية. تنقية الافكار، البرامج والادعاءات. وهو يفترض بها أن تخلق حديثا وان تثير افكارا في القلب النابض للمنافسة. ودون هذه التنقية نبقى مع الاحابيل الاعلامية، الالاعيب، الهزء باللحظة الاخيرة، زلات اللسان وكل ما تبقى من نعومة. والاحزاب الكبيرة بالذات، او تلك التي توجد لها أجندة واضحة، معلنة، يجب ان تحذر من النعومة؛ فهذه تعلق في حناجرها. ورئيس الوزراء يشعر بهذا الان. الناعم لطيف، ملون وسهل، ولكن هذا ليس انتخابات. لصالح الجميع – من سينتصر ومن سينهزم، من سيشكل الحكومة ومن سيجلس في المعارضة – نحن بحاجة هنا الى نقاش حقيقي ولاذع أكثر بكثير. رهاني؟ هذا الحديث سيجري قبل 22 كانون الثاني. فهذه الانتخابات لم تبدأ بعد. يجدر باحد ما أن يبدأها. وهذا الاحد ما هو نحن.