غزة / سما / لا زال الفلسطينيون يتذكرون جيداً لحظات الساعة الحادية عشر والنصف من صباح يوم السابع والعشرين من شهر ديسمبر / كانون الأول لعام 2008 المنصرم، حينما بدأت إسرائيل حربها على قطاع غزة، وأسمتها عملية الرصاص المصبوب، فيما أطلقت عليها المقاومة الفلسطينية"حرب الفرقان". بدأت إسرائيل عمليتها العسكرية على غزة، حيث نفذت مقاتلات حربية تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي عشرات الغارات الجوية وأسفرت عن استشهاد قرابة 200 فلسطيني في اللحظات الأولى، فيما وصل عدد الشهداء بعد انتهاء العملية إلى 1430 شهيدا وأكثر من 5 آلاف جريح. ويقول محمود أحمد (42) عاما ان اللحظات الأولى للحرب على غزة عام 2008 لا تزال حاضرة في أذهانه ولا يمكن له ان ينساها(..) مبيناً انها أيام صعبة فقد فيها أعز اصدقائه وأحبابه". ويضيف:"لم أكن أتخيل ان تكون هذه الحرب شرسة وقوية،لقد أحرقت إسرائيل الأخضر واليابس في غزة ولم تبقى شيئا على محله واستهدفت الحجر والشجر والإنسان، حتى الأطفال لم يسلموا من قذائفها". ويعتقد ان آثار حرب 2008 لا تزال موجودة في غزة ان لم تكن في على الأرض فأنها موجودة في ذاكرة وأذهان كل فلسطيني". وفي شهادات دونها الكاتب والناشط في حقوق الإنسان مصطفي إبراهيم مع ضحايا حرب 2008 كتب يقول :" بدأت أصوات الانفجارات تهز مخيم جباليا، وبعد قصف موقع الأمن الوطني شرق جباليا بجوار مبنى الإدارة المدنية سابقاً، حيث تسكن عائلة محمد زهد زوج الشهيدة هدى النجار وهي شرطية، توجه الى منزل العائلة وبعد الاطمئنان عليهم، عاد الى البيت، لم يخطر بباله على الإطلاق أن تكون زوجته قد أصيبت أو قتلت، وقد تعطلت شبكة الهاتف النقال والهاتف الثابت، ولم يتمكن من الاتصال بها، وبدأ القلق عليه وكان الوصول إلى غزة مخيفاً وصعباً. يقول :"في حوالي الساعة الخامسة مساء توجهت أنا وشقيق زوجتي الى مدينة غزة، ولم نتمكن من الوصول الى مقر شرطة الجوازات وشرطة الأمن والحماية على شاطئ البحر، وبعد سماعنا أن المكان قصف، توجهت الى مستشفى الشفاء بمدينة غزة، ولم يساورني أدنى شك أنها أصيبت، لأنني لم اسمع عن مقتل نساء، ومع ذلك توجهت الى المستشفى بمدينة غزة، وكان الدخول الى الأقسام صعب جداً، الازدحام شديد والفوضى عارمة، وأعداد كبيرة من الجرحى، فتوجهنا الى ثلاجة الموتى وكانت الساعة السادسة مساءً، وشاهدت عدد كبير من الناس على باب ثلاجة الموتى، ومع ذلك لم اشك للحظة أنها قد تكون قتلت. ويتابع:"حاولت أن ادخل الى مبنى ثلاجة الموتى إلا أن الموظفين منعوني من الدخول بسبب وجود جثث لنساء استشهدن، فبدأ الشك والقلق يدخل الى قلبي، وقلت لشقيق زوجتي سأدخل الى الثلاجة، ومنعوني مرة أخرى من الدخول إلا أنني أخبرتهم أن زوجتي موجودة في الثلاجة، فسمحوا لنا بالدخول، وكان عدد كبير من الجثث للقتلى ملقاة في غرفة ثلاجة الموتى، ولم يكن في الثلاجة إلا جثتين لامراتين فوق بعضهما، فقال لي شقيق زوجتي إنها غير موجودة، لكنني قلت له أن جثتها تحت الجثة الأخرى، وكانت يدها مدلاة وظاهرة، فقلت لشقيقها هذه جثة هدى وعرفتها من يدها، فحاول إقناعي بأنها ليست هدى، فقلت له ارفع الجثة الملقاة فوق جثة هدى فقام شقيقها برفع الجثة فكانت جثة هدى. لم أتمالك نفسي من البكاء، وخرجت من ثلاجة الموتى، ولم استطع النظر إليها مرة أخرى، وقام شقيقها بالاتصال بشقيقه، وابن عمه واحضروا سيارة ونقلنا جثتها الى بيت عائلتها في مخيم جباليا، وفي البيت قمت بتوديعها، ولم يكن عليها علامات إصابات ظاهرة في جسمها، وقال الأطباء أنها قتلت جراء النزيف الداخلي من قوة الضغط التي أحدثتها الصواريخ. واستهدفت العملية العسكرية كل المقار الأمنية في قطاع غزة والمقار التابعة لحركة حماس وأدى القصف إلى استشهاد أكثر من مائة من قوات الشرطة والأمن الفلسطينية وعلى رأسهم اللواء توفيق جبر مدير شرطة غزة والعقيد إسماعيل الجعبري مسؤول الأمن والحماية في قطاع غزة. ذهب ضحية العملية نحو 437 طفلا تحت سن السادسة عشر، واستهدفت الكثير من المنازل في القطاع وعشرات المساجد والمدارس والجامعات والمستشفيات والمقار الصحية، إضافة إلى المقر الرئيسي لـ"أونروا" في الشرق الأوسط. وقالت تقارير صحفية وخبراء أوروبيون إن إسرائيل استعملت خلال العدوان أسلحة محرمة دولياً في عدوانها على غزة، حيث حملت أجساد بعض الضحايا آثار التعرض لمادة اليورانيوم المخفف بنسب معينة. ويقول مراقبون ومتابعون للشؤون الإسرائيلية ان العملية جاءت بعد انتهاء تهدئة بين إسرائيل والمقاومة بغزة دامت قرابة (6) شهور كان قد تم التوصل إليها برعاية مصر في شهر يونيو لعام 2008. وأضافوا ان إسرائيل كانت تحاول من خلال عملية الرصاص المصبوب تقويض حكم حماس التي تسيطر على القطاع واستعادة الجندي الإسرائيلي المختطف "جلعاد شاليط" ووقف إطلاق الصواريخ من غزة، الأمر الذي فشلت فيه إسرائيل مراراً. وسادت تهدئة غير معلنة بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل منذ انتهاء الحرب رغم اندلاع موجات عنف فى أوقات زمنية متباعدة سرعان ما كانت تتوقف بفضل اتصالات مصرية. وفي العام الماضي قال العميد بالجيش الإسرائيلي تسفيكا فوجل الذى شغل منصب رئيس مركز العمليات العسكرية خلال عملية "الرصاص المصبوب"، إن حركة المقاومة الإسلامية "حماس" عززت من قدراتها العسكرية فى الفترة الأخيرة وكذلك من قدراتها الاستخبارية بفضل جهود جماعة "الإخوان المسلمون" فى مصر والتى تعبر حماس جزءا منها. وقال فوجل إلى أن التغيرات التى تشهدها مصر أثرت سلبا على نشاطات الجيش الإسرائيلى فى غزة، قائلا: "إنهم يعملون من قلب سيناء ونحن لا نستطيع أن نواجه دولة لنا معها علاقات دبلوماسية واتفاق سلام، ويجب ألا ننسى أن حركة حماس هى جزء من الإخوان المسلمين الأمر الذى من شأنه أن يدفعهم إلى تجاهل كل ما تقوم به حماس فى سيناء"، على حد قوله.