خبر : لا يوجد مستبد عقلاني/يديعوت

الإثنين 27 فبراير 2012 01:51 م / بتوقيت القدس +2GMT
لا يوجد مستبد عقلاني/يديعوت



"مقطوع عن الواقع"، و"يفهم لغة القوة فقط"، و"يحلم أحلام يقظة"، و"مريض النفس"، و"جلاد مجنون" - هذه بعض صفات التنديد التي يُرمى بها في هذه الايام حاكم سوريا بشار الاسد. وليس المنددون والعائبون صهاينة أو استعماريين أو أعداءا آخرين للأمة العربية بل هم لحم من لحمها، فهم مواطنو سوريا المتمردون ومؤيدوهم في العالم العربي. في مؤتمر "الدول الصديقة لسوريا"، الذي اشتمل على الولايات المتحدة وبريطانيا لكنه لم يشتمل على روسيا والصين، وقفت كل الدول العربية الى جانب المتمردين وطالب أكثرها بتدخل عسكري غربي لوقف القتل. وما تزال ايران غير العربية وحدها تؤيد نظام الاسد القاتل، الاسد الابن.وأنا أرفع نظري بين الفينة والاخرى الى السماء وفي قلبي شكر صامت، شكر لرئيس الحكومة السابق اهود اولمرت الذي كان عنده كما يبدو شجاعة الزعامة ليقرر في ليلة مظلمة عملية جوية شاملة قضت بحسب مصادر اجنبية على منشأة عسكرية ذرية سورية اقتربت من الاستعمال وقتلت عددا من المهندسين من كوريا الشمالية ايضا. وقد علمت اسرائيل (كما قيل) باخفاق استخباري كان يمكن ان يغطي على اخفاق حرب يوم الغفران، علمت بوجود تلك المنشأة بتأخر حاسم. وكان رئيس الحكومة اولمرت يستطيع ردا على ذلك ان يتخذ خطوات شتى كأن يجمع لجنة تحقيق رسمية سرية ويسرب لوسائل الاعلام الاجنبية أمر وجود المنشأة، وان يتهم الجيش الاسرائيلي بالفشل، وأن يجند دبلوماسية دولية هادئة ثم معلنة بعد ذلك وغير ذلك. يبدو ان اولمرت اختار خيارا آخر. فبعد الفحص عن الخيارات العملية سلك كالمتوقع من رئيس الحكومة، فقد تحمل كامل المسؤولية واستقر رأيه على قصف المنشأة.يشكر اسرائيليون كثيرون حتى اليوم لرئيس الحكومة الراحل مناحيم بيغن بسبب أمره بقصف المفاعل الذري في العراق. ويتذكر قليلون الشكر لرئيس الحكومة السابق اولمرت، أطال الله عمره، بسبب أمره في السادس من ايلول 2007. مما يثير القشعريرة ان نفكر ماذا كان يحدث اليوم في منطقتنا لو تهرب اولمرت من قرار حاسم ونقله الى رئيس الحكومة الذي يأتي بعده. وأين كان يكون الاسد وهو يملك قدرة ذرية وأين كان يكون تدخل الغرب العسكري وأين كنا نكون نحن.لم يشارك المجتمع المدني الاسرائيلي في الدراما التي سبقت العملية كما يبدو. ومن المحتمل ان نفترض ان أكثر المحللين في وسائل الاعلام كانوا سيعارضون. وكان خبراء في الشأن السوري سيوضحون ان بشار الاسد الذي تربى على الثقافة البريطانية هو سياسي عقلاني وأنه اذا هوجم تحت جنح الليل بطائرات عسكرية اسرائيلية وفي أوج محادثات سلام بوساطة تركية ايضا، فسيرد بغضب بقصف مضاد ثقيل على الجولان والجليل. وتبدأ جولة قتال اخرى ويكون ربح الهجوم معادلا للخسارة. وفي مقابلة ذلك، اذا لم تُقصف المنشأة فسيصبح بشار الاسد، وهو سياسي عقلاني، معرضا لضغوط وعقوبات اقتصادية، وسيضطر الى بدء تفاوض مع المجتمع الدولي الذي سيطلب اليه اغلاق المنشأة الذرية إن لم يكن فورا فبعد سنة أو سنتين أو ثلاث.تجاهل اولمرت بقراره الافتراض الأساسي الذي ساد حتى ذلك الحين بشأن سوريا والذي قال ان بشار الاسد هو سياسي عقلاني جدا. وخلص اولمرت الى استنتاج عكسي خلص اليه قادة العالم المتحضر هذا العام فقط بتأخر مؤسف وهو أنهم يواجهون حاكما "غير عقلاني" و"مقطوعا عن الواقع"، "وحالما أحلام يقظة" و"يفهم لغة القوة فقط"، وعلى هذا فمن الصحيح والعدل ان تُستعمل القوة لمواجهة مطامحه الذرية، وقد نُسب الى اولمرت اصدار الامر وأقلعت الطائرات الاسرائيلية ونجحت عمليتها نجاحا يفوق المتوقع. وما كان العالم اليوم ليستطيع من غير قرار اهود اولمرت الحاسم ذاك حتى ان يزن خيارا عسكريا لمواجهة نظام حكم الاسد.ليس الدرس أنه يجب القصف دائما بغير انتظار وأنه يجب ان تُبحث الخيارات العسكرية دائما وراء أبواب مغلقة فقط. ان درس في رأيي يتعلق بالأساس بقضية العقلانية وهي لا لبس فيها: لا يوجد مستبد عقلاني. فاذا كنت ترأس نظام استبداد يضطهد بقسوة الحريات الأساسية في بلادك فهذا برهان قاطع على أنك غير عقلاني وهكذا يجب ان تُعالج أنت وضروب جنونك.