مدريد. يوم الثلاثاء الماضي، في ساعات المساء المبكرة، وقفت مجموعة من الاسرائيليين، الفلسطينيين، المغاربة، التونسيين، المصريين، وكذا الاوروبيين امام القصر الذي في احدى قاعاته الفاخرة اجتمع قبل أكثر من عشرين سنة في يوم من الخطابات الاحتفالية، الذي سيسجل في التاريخ كـ "مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الاوسط". وكان يفترض بالمؤتمر أن يشكل صيغة التسوية بين اسرائيل والعالم العربي، وبالاساس ان يحل المواجهة النازفة بينها وبين الفلسطينيين. قدورة فارس، من كبار رجالات القيادة الفلسطينية، وقف الى جانبي وقال لي بابتسامة مريرة: "هنا بدأت الكذبة الكبرى". والكذبة التي تحدث عنها كانت فرضية تلك الايام بان المؤتمر سيؤدي الى اقامة دولة اردنية – فلسطينية في المناطق. على الاقل في اختبار النتيجة فارس محق: الاسرائيليون والفلسطينيون بعيدون اليوم أكثر من أي وقت مضى عن الصيغة التي تسمح بالتوقيع على تسوية. في تلك الايام ظهرت على غلاف المجلة البريطانية "الاكونومست" صورة رئيس الوزراء الاسرائيلي اسحق شمير الذي توج بصفته "أب الدولة الفلسطينية". يا للسخرية. ولكن هيا لا نكون متشائمين جدا. مع ذلك حصل شيء ما في العشرين سنة الماضية. اسرائيليون، فلسطينيون وممثلون عن دول شمالي افريقيا، يلتقون علنا، يتحدثون بصوت عال، يلمسون الواحد الاخر، يتبادلون النكات عن حكوماتهم. الى أن يصل هذا الى المباحثات الرسمية، في الغرف الواسعة التي وضعتها حكومة اسبانيا تحت تصرف المؤتمرين. عندما يتحدثون الى الميكروفون، كل المندوبين يكررون حججهم المعروفة حتى التعب. على مدى يومين كان يمكن سماع تقديرات عما يمكن أن يحصل، ورسالة واحدة قوية صدرت المرة تلو الاخرى: اسرائيل ستكون مطالبة بان تتصدى قريبا لمحفل لم تعرفه في الماضي – الرأي العام. ليس علاقات تقوم على الاتصالات مع رؤساء الدولة أو بين وكالات الاستخبارات. المتحدثون من مصر، من تونس، من الجزائر، رجال المنفى من سوريا – كلهم شددوا على أنه حتى لو سيطرت المحافل الاسلامية المتطرفة على دولهم، فسيكون قرارا شرعيا ان تكون اسرائيل مطالبة بان تتعايش معها. بتعبير آخر: من اعتقد بان الزمن يعمل في صالح اسرائيل، وانهم كانوا محقين اولئك الزعماء الذين لم يسارعوا الى الوصول الى تسوية، من شأنه أن يكتشف بان الرأي العام في الدول العربية الجديدة تبدي قدرا أقل من التسامح تجاه استمرار السيطرة على ملايين الفلسطينيين في الضفة واستمرار الحصار على غزة من مبارك او طغاة آخرين. كما أن التصميم الذي أرفقه الاوروبيون بمحاولات الوصول الى تسوية اسرائيلية – فلسطينية آخذ في التبدد هو الاخر. كان يكفي سماع وزير الخارجية الفرنسي السابق، برنار كوشنير، ووزير الخارجية الاسباني ميغال موراتينوس، حين تحدثا كيف نجح نتنياهو في تضليهما. نتنياهو، قالا، وعد بان في غضون سنة سينهي المحادثات مع ابو مازن. إذن الان، حين بات واضحا بان شيئا مما وعد به نتنياهو لن يتحقق، سحب الاوروبيون ايديهم. وهكذا، الحكومة اليمينية الجديدة في اسبانيا لم تكلف نفسها ارسال مندوب كبير عن المؤتمر واكتفت بمدير دائرة في وزارة الخارجية. في الوفد الاسرائيلي ايضا لم يكن مسؤولون كبار يمكنهم ان يمثلوا الحكومة حقا. ممثل عن الليكود لم يصل، وعلى رأس الوفد وقفت وزيرة الزراعة، اوريت نوكيد، التي اهتمت اساسا بالتعاون الزراعي مع المضيفين وبمصيرها السياسي في البلاد. ومع ذلك، مهم أن نكرر امورا اطلقها مسؤول كبير في الوفد الفلسطيني: "الربيع العربي لن يتجاوز الضفة الغربية. سيأتي يوم وستشعرون بما يجري حولكم. الشعوب في المنطقة وضعوا أمامنا المرآة التي بواسطتها ستبدأ الانتفاضة غير العنيفة ضد الاحتلال".تودعنا في مطار مدريد. نحن هبطنا في الوطن بعد أربع ساعات. هم صعدوا الى الطائرات الى عمان، وبعد يوم من ذلك، كما تفترض الترتيبات، في سيارة عمومية الى جسر اللنبي. بالاجمال يوم ونصف بين مدريد ورام الله.