تم لاتفاق الخليل 15 سنة. وقع على الاتفاق رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو زمن ولايته الاولى والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، بعد تسعة اشهر كان يفترض ان يوقع عليه قبلها رئيس الحكومة السابق شمعون بيرس وعرفات. ولم يوقع عليه بالموعد المخطط له بسبب موجة أحداث الارهاب على الاسرائيليين في مطلع 1996 (في أعقاب قتل المهندس يحيى عياش)، ولخشية سياسية من ان يزيد توقيعه عليه الانتقاد لتنازل حزب العمل. اليمين كالمتوقع رفع الصوت صارخا برئيس الحكومة الذي أدار ظهره لمؤيديه، وأعظم بني بيغن، وزير العلوم الجديد، الفعل إذ رأى ذلك سببا كافيا للاستقالة من الحكومة. طُرحت مسألة الخليل في برنامج العمل الوطني بعد الايام الستة مباشرة. وكما طلب مستوطنو غوش عصيون الذين تم اجلاءهم في حرب التحرير العودة اليها، أثار ناس المستوطنة اليهودية في الخليل طلب العودة اليها. وطلب الحاخام حزقيال سرينا، رئيس المعهد الديني في الخليل، الى الحكومة ان تعيد معهده الى الخليل ورفضت الحكومة. وكان الحاخام سرينا الذي كان عضوا ايضا في مجلس حكماء التوراة هو الذي نقل الى الخليل في 1925 المعهد الديني اللتواني الاول في ارض اسرائيل، بعد ان استقر الرأي في الاتحاد السوفييتي قبل ذلك بسنة على تجنيد اليهود. على أثر مذبحة نفذها العرب من سكان الخليل في يهود المستوطنة قُتل فيها 67 يهوديا، نقل المعهد الديني الى حي غيئولا في القدس. وباعتباره يهوديا حريديا قبل قضاء الله وسلم للرفض. في 1968 حاولت مجموعة من الاسرائيليين بقيادة موشيه لفينغر، من المتدينين وعدد من العلمانيين، شراء بيوت في الخليل للعودة الى المدينة. ورفض سكان المدينة ان يبيعوهم بيوتا، واستقر رأيهم لذلك على استئجار فندق "بارك" مساء عيد الفصح بل أن يُتموا فيه الاحتفال بليل الفصح. كانت تلك الايام ايام حكومة الوحدة الوطنية برئاسة ليفي اشكول (في اشهر حياته الاخيرة)، وبمشاركة المعراخ الجديد بين حيروت الصقري والليبراليين الذين هم أكثر اعتدالا. وسيطرت النشوة على كل شيء. عرف قليلون من الناس في الحقيقة كيف يريدون ان يروا مستقبل المناطق التي احتلت منذ وقت قريب. ففي حزب العمل (الذي أُنشيء في ذلك الوقت نتيجة مزج بين مباي ورافي ووحدة العمل) وجدت حلقة تؤيد سلامة البلاد – لا أقل ولا أكثر. أما وزير التربية يغئال الون الذي أوجد الخطة للحفاظ على الكعكة كاملة ولأكلها ايضا ("خطة الون")، فرأى نفسه قائدا لمسيرة الاستيطان بعد ان فشل في محاولته العودة الى الجيش أو ان يُعين وزيرا للدفاع، وصرف جهوده الى حرب لا هوادة فيها لبطل الحرب موشيه ديان. وهكذا، في أهم ايام في تاريخ دولة اسرائيل، حينما كان يجب على حكومة اسرائيل ان تبت قرارات حاسمة تتعلق بمستقبل المناطق التي احتلتها في الحرب الناجحة في 1967، لم تكن هناك ببساطة ولم تكن تعلم حقا ما الذي تريده في الضفة الغربية. شارك 100 انسان في الاحتفال بليل الفصح الهاذي للفينغر في الخليل، وشارك فيه ايضا جنود من الجيش الاسرائيلي وسلحوا المشاركين. وبعد حفل ليل الفصح أعلنت الجماعة أنها ستبقى في الخليل ودخلت حكومة اشكول التاريخ. وأصبح يغئال الون وسيطا من قبل نفسه ينتقل ما بين أنصار لفينغر والحكومة، وتم آخر الامر احراز مصالحة بأن تترك المجموعة الخليل ولا يعود اليهود للسكن في المدينة، لكن تنشأ بلدة باسم كريات اربع يستطيع اسرائيليون السكن فيها قرب الخليل. قبل المستوطنون المصالحة، لكنهم لم يكتفوا قط بكريات اربع. كانت تلك عودة زاحفة: ففي البداية أُنشيء كشك قرب مغارة الماكفيلا (الحرم الابراهيمي)، وبعد ذلك رُمم كنيس "أبينا ابراهيم"، وفي 1979 ايام حكومة بيغن دخلت النساء والاولاد بيت هداسا بخلاف موقف الجيش الاسرائيلي. وبعد ان قتل الفلسطينيون ستة مصلين يهود قرب بيت هداسا في ايار 1980 اتخذت الحكومة قرارا فحواه انه لا مانع من استيطان يهودي في الخليل. وفي 1983 أُنشيء في تل رميدة حي يهودي ويعيش منذ ذلك الحين في المدينة بضع مئات من اليهود. بعد المذبحة التي نفذها باروخ غولدشتاين في 1994 بدم بارد في مصلين مسلمين في الحرم الابراهيمي قُتل فيها 29 عربيا، مالت حكومة رابين الى اخراج اليهود من الخليل لمضاءلة الاحتكاك والمواجهة الدائمين. بيد ان رئيس الحكومة آنذاك اسحق رابين رجع آخر الامر عن هذه الفكرة. حينما تم توقيع الاتفاق المرحلي مع الفلسطينيين في ايلول 1995 تم الحديث عن خروج الجيش الاسرائيلي من جميع المدن الفلسطينية الكبيرة وعن نقل السلطات اليها. لكن فيما يتعلق بالخليل تم ايجاد حل كان يجب ان يجيب عن حقيقة ان بضع مئات من العائلات الاسرائيلية تعيش في المدينة. وهكذا بدل ان يُنقل يهود ذلك المكان الى بلدة اخرى نشأ وضع معقد هو (اتش 1) و (اتش 2)، الاولى هي الخليل العربية مع كل سلطاتها، والثانية منطقة مساحتها 3 في المائة من المدينة يعيش فيها نحو من 500 يهودي و40 ألف فلسطيني، والسلطات الامنية فيها في يد الجيش الاسرائيلي. ان عددا من المستوطنين يجعلون حياة السكن العرب مريرة. وقد أصبحت مجموعة المراقبين الدولية التي أُقيمت على أثر مذبحة غولدشتاين سخرية وهزوا، والشارع الرئيس للمنطقة اليهودية ليس مفتوحا للعرب تماما، وأصبحت (اتش 2) مكانا مشحونا بالاضطراب والشغب يشعلون فيه بين الفينة والاخرى حرائق ويُبعدون جولان ناس معسكر السلام (وبخاصة بعد ان كشف ناس "يكفي صمتا" عن سلوك غير انساني للمستوطنين). نتنياهو لم يحب اتفاق الخليل كثيرا وحقيقة انه يجب عليه ان يوقع عليه ويحققه. ولم يُخطر بباله بالطبع ان يُخرج المستوطنة اليهودية من الخليل وفضل ان يؤجل هذا الحكم قدر المستطاع الى ان أومأت اليه الادارة الامريكية انه لا مفر آخر، فوقع على الاتفاق الذي طُبق جزء منه فقط على غير رغبة وغير حماسة. وقد لقي انتقادا من اليمين بالطبع. فكما انتقد اليمين بيغن لانسحابه من سيناء وشمير بسبب مؤتمر مدريد وبعد ان وقع اتخذت الحكومة برئاسته قرارا يقول "سياسة الحكومة هي تعزيز وتطوير المستوطنة اليهودية في الخليل". لم تطبق أي حكومة القرار ومنها حكومتا نتنياهو، لكن المستوطنة القائمة كافية لوجود برميل متفجرات، ولتقييد مئات الجنود الاسرائيليين الى المكان بمعدل جندي لكل ساكن. ان الخليل هي برهان على الحاجة الى قرار: أتعتقد ان من المرغوب فيه في اسرائيل غربي الاردن ان يحيا اليهود والعرب جنبا الى جنب في اطار سياسي واحد حتى لو نشأ فيه في المستقبل القريب أكثرية عربية؟ إعمل من اجل هذا وادفع ثمن قرارك (الذي قد يكون نهاية الدولة اليهودية). أتؤمن بأنه يجب تقسيم البلاد والفصل بين اليهود والعرب؟ إعمل من اجل هذا وادفع الثمن (الذي قد يكون صراعا شديدا بين اليهود). لكن لا تقرر في شأن (اتش 1) و (اتش 2). فهذا حل وُلد بخطيئة ويستمر عليها.