العويل الذي يصدر عن قيادة وزارة الخارجية الامريكية حول تصفية عالم نووي ايراني آخر، قد يخلق الانطباع بان الادارة الامريكية مصدومة ومكلومة في ضوء الضربات التي تتلقاها ايران حول الصراع في سبيل تطوير النووي. واذا لم يكن هذا بكاف، فان "النيويورك تايمز" اقتبست أمس عن موظفين في الادارة يطالبون (ربما أيضا من المشبوهة رقم 1، اسرائيل) بوقف الضربات خشية رد ايراني متطرف. كله ازدواجية، كله دموع تماسيح، كله ترهات. كل هذه الدراما هي نتيجة أزمة اعلامية علقت فيها وزارة الخارجية الامريكية في الاونة الاخيرة. لقد بدأ هذا في بداية الاسبوع عندما اقتبست "النيويورك تايمز" عن موظف كبير في مجلس الامن القومي كشف سر دولة، ليس أقل. وعلى حد قوله، فان العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة على ايران جاءت في واقع الامر لاسقاط حكم آيات الله في طهران. في وزارة الخارجية شدوا شعورهم. الحقيقة خرجت الى النور. وهم يروون للعالم بان كل موضوع العقوبات يرمي الى وقف المشروع النووي، وفجأة تنكشف عورتهم: النية هي على الاطلاق لاسقاط النظام. يا الهي. كيف نشرح للعالم بان ادارة اوباما المتنورة – التي تقدس الحريات الديمقراطية في العراق، في افغانستان وفي مصر – تتصور على الاطلاق تغيير نظام انتخب، قانونيا، في طهران. ويجري هذا الكشف في ذروة صراع أمريكي لاقناع الصينيين والروس بالمشاركة – ولو رمزيا – وفي العقوبات على ايران. طالما كان الحديث يدور عن المشروع النووي، فقد كان هناك ما يمكن الحديث فيه. ولكن مع مبرر تغيير النظام – فان الروس والصينيين سيلقون بهم من على كل الدرج. وزارة الخارجية لم تنتعش من الضربة فاذا في وسط طهران يصفى عالم نووي آخر. وهذا يحصل حين تكون الادارة الامريكية في مفترق طرق: من جهة توجد خطوة جد حساسة، نشأت فيها امكانية جلب الايرانيين الى طاولة المباحثات. في أساس الخطوة لاستئناف المفاوضات، والتي لا تزال قيادة الحكم الايراني تتردد هل تستجيب لها، تقبع خطة امريكية عرضت على الايرانيين قبل اسابيع عديدة. من جهة اخرى، يوجد على الكفة تصعيد جوهري في العقوبات على ايران قد تؤدي في نهاية المسيرة، الى مواجهة عسكرية ايضا. الزمن آخذ في النفاد. ادخال المشروع النووي الايراني الى عمق بمسافة اكثر من 150 متر في منشأة تحت أرضية يقصر نافذة الفرص لعملية عسكرية. الامريكيون يفضلون الطريق السياسي. وحسب الفهم الامريكي، فان تصفية العالم – مثل عمليات اخرى تعزى للولايات المتحدة او حلفائها – من شأنه أن يدفع الايرانيين الى تصليب مواقفهم واغلاق الباب في وجه الحل الدبلوماسي. على أي حال، فان أبخرة الوقود الصاعدة من مضائق هرمز آخذة في التكثف. احتمال اشتعال مواجهة عسكرية مع ايران ليس بسبب هجوم اسرائيلي، بل بسبب خطأ ما في سلوك الامريكيين او الايرانيين في مضائق هرمز – آخذ في التصاعد. وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون شجبت التصفية كي تهدىء روع الايرانيين. ولكن في نفس الوقت، في هذا الايام بالذات، تجلس مع دول الخليج كي تبلور المواقف: سواء بالنسبة للازمة في مضائق هرمز أم في موضوع زيادة صادراتها من النفط. هناك تسمع ايضا ذات النغمة الثابتة التي يطلقها امراء النفط في شبه الجزيرة العربية في المحادثات السرية. متى سيهاجم أحد ما أخيرا المنشآت النووية الايرانية فيزيل الظل المهدد فوق حقولنا النفطية؟