لا يوجد هنا لا يمين ولا يسار، ونحن لم نعد نتقاتل على مناطق "بلاد اسرائيل الكاملة" او على "الاحتلال". هذا هو، شُفينا. زالت الاقنعة وبات الجدال جديدا وأكثر صدقا: فهو الان يدور بين اولئك الذين يقدسون الديمقراطية وحقوق الانسان وبين اولئك الذين لا يريدون على الاطلاق سماع جدالات، إذ اكتفوا من كل اولئك الذين يحبون العرب، وهيا الى الشاحنات والحافلات. وللحقيقة، فان القلق على استقرار سلطة القانون ووسائل الاعلام يبدو مبالغا فيه قليلا، يقترب حتى من الهستيريا. فالادق هو انه يبدو كنباح آخر للكلب الوطني المتطرف الذي بشكل عام يفر الى الزاوية بعد ان يتلقى خبطة صحيفة على أنفه (بكل معنى الكلمة). منذ الان تنهار بذاتها سلسلة مشاريع القوانين الوقحة والغبية التي ترمي الى التضييق على حرية التعبير والرأي، بعد أن حقق المبادرون اليها العناوين الرئيسة التي رغبوا فيها لانفسهم، وكذا الكراهية التي هي دوما في نظر المهزوم اسم رديف آخر للقوة. وبالفعل يخيل أن هدف هذه المشاريع ليس إقرارها الناجح وادراجها في سجل القوانين بل نقطة بث، بضع صرخات في اللجنة، انصراف تحت اشراف رجال النظام في الكنيست وعبارة بشعة اخرى تضاف الى قاموس النواب الشامل. هذه المرة بوركنا بعبارة لذيذة قالت: "انتِ أقل من بهيمة"، أطلقها النائب دافيد روتم نحو زهافا "انتَ أزعر" غلئون. الجميع خرج كاسبا باستثناء الجمهور المنحرج والمكلوم، والذي هو الان غاضب قليلا ايضا. ولكن في نهاية المطاف حققت محاولات التشريع المتطرفة الهدف المعاكس لذاك الذي اتخذه منفذوها، وذلك لان مخاوف الامن والنزاع الاقليمي أخلت مكانها على رأس جدول الاعمال العام للحقوق الاساسية للمواطن في الديمقراطية، والتي ارتفعت الى المكان الاول مباشرة من الزاوية النائية. وبدلا من مواصلة اهانة الفلسطينيين على خلفية الصمت التل أبيبي، بات الجميع يتحدثون الان بيقظة وحماسة عن الحجارة الاساس للديمقراطية. هذا هدف ذاتي خطير لليمين، وشكرا ليريف لفين. ولكن أي يمين؟ من مشاريع القوانين الغبية (الجمعيات وتشديد التعويض على التشهير أساسا) ومن الخطوات الاخيرة ضد وسائل الاعلام صدم حتى معتمري القبعات الدينية والعلمانيين اليمينيين. ليس هكذا سعوا الى أن يسيروا باسرائيل حسب فهمهم، بل بطريقة الاقناع واثبات عدالة موقفهم في ضوء أفعال العدو. ويدور الحديث عن مئات الاف الاشخاص الذين يريدون أن يروا اسرائيل صقرية أكثر، ولا يزالون يحترمون القانون ويقدسون قواعد اللعب الديمقراطية. وهم يتحفظون جدا مما يحصل هنا. وانطلاقا من هذا فاني أقترح الانقطاع عن التعريفات القديمة وذلك لان الجدال القديم قد تخلينا عنه. فليس بعد اليوم "يساريون" و "يمينيون"، بل "ديمقراطيون" و "جمهوريون"، "ليبراليون" ومقابلهم "محافظون"، "قوميون" ومثلها من تعابير متنورة. ليس صدفة يستخدم الامريكيون حادو الصياغات بالذات هذه التعابير. فالمواطنون يعرفون هناك حسب مفاهيمهم النفسية – المبدئية ولا يدحرون للانتماء بالقوة الى أحد المعسكرين اللذين لم يعودا موجودين منذ زمن بعيد. عن تغيير طريقة الحكم الى حكم رئاسي يتحدثون هنا منذ زمن بعيد. يمكن الشروع في تغيير الحوار. أنا مثلا ديمقراطي. ليبرالي في مجالات معينة، محافظ في اخرى، مخلصا، وحقا لست قوميا متطرفا.