سيكف جلعاد شليط في النهاية ايضا عن اثارة اهتمامنا. فعندما ينقشع كل شيء ويعود الجميع الى رتابة الحياة، سيتبين أننا فوتنا فرصة مرة اخرى. سنظل على ثقة من أنهم الأشرار ونحن الأخيار، وأنهم متعطشون الى الدم ونحن انسانيون ومتضامنون، وهم قتلة ونحن نحرر الأسرى. سيستمر زعيمنا على التقاط الصور له ولن يستغل اللحظة أبدا، أية لحظة، من اجل تغيير جوهري واستراتيجي ما. ولن يكون أحد مستعدا للاعتراف بأن اسرائيل أجرت مدة خمس سنين طويلة تفاوضا مع حماس، وهي منظمة أقسمت على عدم اجراء تفاوض معها أبدا. ولن يتساءل أحد هل يمكن أن نحادثهم في شؤون اخرى ومصائر وتفاهمات؟ سنعود على نحو طبيعي الى سلبهم وجودهم مع معاناة حضورهم. لأن هذه هي اللغة الوحيدة التي نفهمها؛ لغة التجاهل والعنف – فلهم الاحتقار ولنا الرضى عن النفس. أهناك احتمال لأن يحاول شخص ما ان يسأل نفسه هل يوجد فرق بين من يريد تحرير وطنه من عبء الوجود الفلسطيني ولهذا يقتل مذنبين وأبرياء على السواء بواسطة صاروخ يُطلق من مروحية، وبين فلسطيني يريد ان يطرد المحتل الاسرائيلي، لكن يده تقصر عن ذلك ولهذا يقتل أبرياء ومذنبين بشحنة ناسفة بدائية؟. أفترض ان يكون الرد الفوري الآن، "لكنهم، جميعا..." وهنا تأتي بضع كلمات غير مطرية. اجل يوجد في الطرف الثاني عدة اشخاص قُساة على نحو خاص، ولا سبيل لتسويغ الاعمال الانتحارية أو القتل العمد لأبرياء. لكن طرفنا ايضا غير بريء من القسوة. سواء كانت قسوة أفراد، ساديين حقا أم قسوة عقائدية من اغتصاب الارض والطرد والمضايقة، أو اسوأ ذلك وهي قسوة عدم المبالاة. لأنه كم منا انتبهوا الى حقيقة أننا نقتل من الأبرياء أكثر مما يفعلون هم؟ ومن منا يكترث لهذا؟. يؤسفني أن الجو الحزين الغامر حول جلعاد شليط لم يصبح جهدا أكبر لتغيير الوعي. فلم يتم التعبير ولو بكلمة واحدة – ما عدا كلام شليط نفسه الصريح – عن أمل المصالحة، والايمان بأنه يجب أن يأتي يوم لا تكون فيه بعد ايام كهذه. ولم يدعُ أي يهودي في هذا العيد الله أن يصبح الأسرى جسر تفاهم. ماذا كان يحدث عن جانبي جدار العداء لو أن شخصا من قيادتنا قال ما يلي في اللحظة التأسيسية: "ان حربا شديدة تنشب بيننا وبين أجزاء من الشعب الفلسطيني، وفي الحرب كما هي حال الحرب، يقع أسرى. وأيدي الجميع ملطخة بالدم كما هي الحال في ميادين القتال منذ كانت. ومع نهاية المعارك يوجد تبادل أسرى. فوطنيونا يعودون الى البيت ومحاربو حريتهم يعودون الى البيت، فأنا أدعو الشعب الفلسطيني وقيادته الى التسامي والى جعل هذه اللحظة المتميزة من الانسانية فصل أمل جديدا بيننا". يقولون لي "لكنهم لا يريدون سلاما". وأُجيب أنا الذي أشك في أننا نريده حقا، أعني السلام المأمول: في نهاية الحروب يقوم القادة العظام أمام الشعب العدو ويُجلّون محاربيه وضحاياه. ومع مرور السنين يقوم قدماء المحاربين أنفسهم في ميدان المعركة ويُجلون معا ضحايا العداوة الذين جعلوا السلام ممكنا. مثل الامريكيين واليابانيين في ايفيجيما، ومثل الاوروبيين الذين قتل بعضهم بعضا بلا رحمة وانشأوا سلاما جعل مواقع الساقطين في القتال مصدر أمل. أنا أومن ايمانا تاما بأنه سيأتي يوم حتى في ايام حياتي تكون فيه معابر غزة ايضا معابر سلام. ويصبح صراعنا الأبدي أيقونة سلام لشعوب اخرى يسفك بعضها دماء بعض. ان النضال من اجل شليط علمنا وعلمهم درسا مهما: وهو ان التسويات تولد بسبب حكمة الشعوب أكثر من ان تولد بسبب قوة القادة. ولهذا لا شك عندي في انه سيوجد أمل هنا في النهاية. لهذا فانه حتى القطيعة المطلقة اليوم مع حماس لا تؤثر فيّ. فمثل مصر والاردن في الجولة الاولى، ومثل فتح في الجولة الثانية، سيقرب اليوم الذي نبحث فيه عن حماس ويبحثون عنا. واذا كان هذا سيحدث في المستقبل فلماذا لا نبدأ اليوم؟.