بعد ان ينقشع صوت ابتهاج المحتفلين، وبعد ان ينقضي التأثر الأولي وبعد ان يعلن كل طرف في هذا الصراع الدامي الفظيع انتصاره في صفقة شليط سيحين زمن محاسبة النفس: سيُحرر في الايام القريبة مئات السجناء المؤبدين والقتلة، وستنكمش دولة اسرائيل في مخاوفها ازاء امكانات اعمال دامية وارهابية جديدة. قال متحدثون رسميون أمس ان القتلة الثقيلين من بين أسرى حماس لن يخرجوا من السجن، لكن الحقائق لا يمكن تغييرها: ان القتلة هم القتلة هم القتلة، ويد الصدفة وحدها جعلتهم "ثقيلين" أو أخف بسبب عدد المصابين. وكما كانت الحال في صفقات تبادل سابقة ستكون يد اسرائيل هي السفلى دائما. على مدى التاريخ الاسرائيلي كله كانت حالنا سيئة بسبب هذه الصفقات. اذا تبين ان شروط الصفقة أمس تشبه الشروط التي عرضت على الحكومة قبل ثلاث سنين أو اربع أو خمس سيكون وضعنا اسوأ كثيرا. فهذه فضيحة حقيقية، لأننا أكلنا الأسماك النتنة وطُردنا من المدينة ايضا، وسيُسأل السؤال علامَ ولماذا مكث جلعاد شليط خمس سنين في أسر حماس. يجب ان نفترض ان تُعلم تفصيلات الصفقة في اليوم أو اليومين القريبين وهكذا يستطيع كل واحد منا ان يحكم أهي سيئة لاسرائيل أم سيئة جدا: لأنه لا توجد صفقات جيدة لاسرائيل في تبادل من هذا النوع. كما كانت الحال في حالات التبادل في سنين سابقة فان مشهد "لسنا كالآخرين" لم يقم لرئيس الحكومة ووزير الدفاع وكل الوزراء ايضا الذين تظاهروا مدة خمس سنين بأنهم عنيدون. والنهاية متشابهة: ففي مساء يوم ما يطلقون سراح مئات من القتلة ولا يمكن ولا يجوز الموازنة مع الجندي الواحد الوحيد الذي نوشك ان نحصل عليه عوضا عنهم. ونقول من اجل التاريخ انه كان في الماضي رؤساء حكومة وحكومات أكثر عنادا وقوة من بنيامين نتنياهو وحكومته وكان من هم أقل. وفي جميع الحكومات الاخرى أُفرج عن مئات القتلة مقابل عدد صغير من جنود الجيش الاسرائيلي. أفرغ مناحيم بيغن وعيزر وايزمن مثلا السجون الاسرائيلية من كبار القتلة والارهابيين حتى نهاية السبعينيات ليحررا من الأسر في لبنان جندي احتياط حاول ان يقطف ثمرة محرمة. وأطلق اسحق شمير واسحق رابين أكثر من 1000 مخرب في صفقة جبريل التي استُقبلت بانتقاد كثير. وعلى كل حال حافظت الحكومات الاخرى كلها وفيها حكومة نتنياهو، وتحافظ على مبدأ عدم التخلي عن جنود الجيش الاسرائيلي في ميدان القتال. ما الذي حدث فجأة فمكّن من اطلاق سراح شليط؟ الحقيقة انه ازداد القلق على سلامة وحياة شليط بعقب الفوضى في العالم العربي والخوف من ان تبلغ أبواب غزة ايضا. وقد يكون رئيس الحكومة ووزير الدفاع فسرا مرونة حماس والتخلي عن اطلاق عدد من القتلة المشاهير، بأنه انجاز أو نصر. وجد بنيامين نتنياهو نفسه مثل أسلافه يواجه واقعا قاسيا. وكان لديه امكان ان يتجاهله أو يستخرج الممكن من الواقع المر، وقد اختار الامكان الثاني. قد تكون أمامنا بشرى طيبة لكل من يؤمن بأن نتنياهو وحكومته سيكشفون عن مرونة كهذه في التفاوض السياسي ايضا.