كنا نحن الاسرائيليين بالذات الذين طرحنا لاول مرة حجة نزع الشرعية ضد اسرائيل: اسرائيل ستصبح جنوب افريقيا جديدة كنتيجة لعزلتها في العالم العربي. وقد ضخموا هذه الحجة حتى كادت تصبح نبوءة تجسد ذاتها. غير أنه لم يكن ابدا شيء حقيقي في هذه الحجة، وحتى لو كان، ففي السنة الماضية توقف. رأس حرب نزع الشرعية، القاضي غولدستون تراجع عمليا عن التقرير الفظيع الذي كتبه. وفهم بانهم ضللوه. وكاد لتغيير رأيه تأثير على مؤسسات دولية. كما أن اسرائيل انتصرت في لجنة بالمر على قانونية الحصار على غزة. قبل سنة اعتبر الاسطول التركي الى غزة في العالم كموضوع حقوق انسان. اما هذه السنة فقد بات يستقبل في الغرب كغزو غير قانوني، كاستفزاز عنيف. وكذا توجه الفلسطينيين الى مجلس الامن والجمعية العمومية توقف حاليا. فليس الفيتو الامريكي وحده هو الذي تأمن، بل ليس هناك الاغلبية اللازمة في المجلس للموافقة على الطلب الفلسطيني. قبل بضعة اشهر كانت هذه الانجازات مثابة الخيال. لماذا حصل هذا؟ لانه لا يدور الحديث عن اقامة دولة فلسطينية. فاسرائيل وافقت على ذلك. يدور الحديث عن الشروط لاقامتها، وهنا عاد الفلسطينيون ليكونوا هم الرافضون. في العالم الذي يقوم على الحوار والحديث، لا يبدي الناس استعدادا لقبول املاء فلسطيني احادي الجانب ليس فيه لا سلام ولا اعتراف ولا أمن. كما الغي مؤخرا القانون الذي يسمح بتقديم مسؤولين اسرائيليين كبار الى المحاكمة في بريطانيا. وذلك بعد أن الغي قانون مشابه في بلجيكيا، بات واضحا اليوم بانه اسيء استخدام القانون ضد اسرائيل. وفي الشهر الماضي احتفل في الامم المتحدة بمرور عقد من الزمان على مؤتمر ديربن اللاسامي. كل الدول المتطورة قاطعت الحدث الحالي ونددت به بشدة. من جاء ليعرض اسرائيل كعنصرية، يعرض بذاته كلاسامي وكعنصري. وهكذا ايضا بالنسبة للزعيمين الثرثاريين ضد اسرائيل، احمدي نجاد واردوغان. بكفاءة عالية يدهور اردوغان تركيا الى مكانة دولة عالم ثالث، لا يمكن الاعتماد عليها. من يحاول عزل اسرائيل – يعزل نفسه. استراليا تقف على رأس الدول التي قررت وضع حد للاحتفال العنصري. بعد نقاش عاصف في البرلمان تقرر اعتبار المظاهرات والمقاطعات ضد المتاجر الاسرائيلية مخالفة جنائية. وزير الاستهلاك الاسترالي، مايكل اوبرين، قال انه "التفكير في أنكم ستؤثرون على سياسة حكومة اسرائيل من خلال مهاجمة أعمال تجارية تجري في هذه الدولة (استراليا) هو ببساطة أمر مقلق". واضافة الى ذلك: فان بعض المتظاهرين العرب الذين بدأوا يهتفون في كونسرت الفرقة الموسيقية الاسرائيلية في لندن، قبل نحو شهر، طردوا من القاعة فيما كان الجمهور يهتف: "الى الخارج!". مثل هذه الخدمة من أجل اسرائيل – الديمقراطية، الغربية، محبة الثقافة – لم يقدمها الفلسطينيون منذ سنوات عديدة. والرأي العام في الغرب بدأ يملهم. وها هو تصنيف جديد في الوعي: اسرائيل هي الثقافة، والمعارضون لها هم المناهضون للثقافة. في الحرم الجامعي في أرجاء العالم بات التغيير ملموسا. عشرات المجموعات من الاسرائيليين واليهود تقام. وهي تمثل القضية الاسرائيلية وتحظى باصداء ايجابية. الجامعات ليست سائبة، مثلما كانت في الماضي رغم أن بعضها لا يزال يسيطر عليه حوار ليبرالي مشوش. ونموذج على التغيير: جامعة كولمبيا، التي استقبلت في المرة السابقة احمدي نجاد باحترام الملوك، حظرت هذه المرة دخوله الى نطاقها. هذه سابقة ستؤثر على مؤسسات اكاديمية اخرى في العالم. دعاوى قضائية ترفع هذه الايام ضد مؤسسات دولية أو اجنبية، اقتربت من الارهاب العربي مثل التهديد برفع الدعوى ضد جامعة كولمبيا نفسها. وعندما يدور الحديث عن المال، فان هذه المؤسسات ترتدع. الاحساس الذي كان قائما حتى بضع سنوات، في أن كل شيء مسموح ضد اسرائيل – لم يعد سائدا الان.