"قريبا سيشربون دم الشعب"، تنبأ في العام 1873 الكاتب الروسي ديستويفسكي، وبسط في "يوميات كاتب" رأيه المفصل بالنسبة للدور القذر الذي تلعبه اليهودية الدولية في الاقتصاد، في السياسة وفي الحياة الروحية. ومؤخرا فقط نشرت الترجمة الجديدة لنيلي ميرسكي لكتاب "الاخوة كرمازوف". مناسبة للتساؤل كيف حصل أن كاتبا نزيها، ذا رؤيا روحية حساسة عميقة تتغلغل في القلوب، شخص كله رأفة ورحمة تجاه المعذبين والمضطهدين، كان في نفس الوقت لاساميا يزبد فمه كراهية سامة. في العام 1877 نشر ديستويفسكي عقيدته ضد اليهود واليهودية، وفي مركزها الادعاء بان جوهر التجربة اليهودية هو "العطش لنز عرقنا ودمنا". أحاد هعام (الذي هو تسفي غينسبرغ) من اوائل مفكري الصهيونية الروحانية، رد على ديستويفسكي وأمثاله بمقال شهير بعنوان "نصف مواساة". وحسب أحاد هعام، فانه حتى اليهود الذين اخذوا على أنفسهم فريات الاغيار التي تقول ان اليهود كذابون، محتالون، أشباه بشر وما شابه، حتى هؤلاء اليهود لا يمكنهم أن يصدقوا الفرية في أنهم يستخدمون دم الاطفال المسيحيين لخبز الفطائر في الفصح. في فرية الدم بالذات يوجد نصف مواساة لان كل يهودي عاقل يعرف بان هذه كذبة نكراء. من هناك فان باقي التشهيرات الرهيبة ايضا التي وجهت لليهود عديمة الاساس في الواقع. بعد نحو أكثر من قرن يخيل أنه لم يتغير شيء من حيث المضمون، بل النغمة فقط. الشمس حارة، البحر ذات البحر واليهود قتلوا المسيح ويهددون السلام العالمي. يقترب الموعد في ايلول، وفي عواميد الرأي في اسرائيل يجري احتفال من الرعب واللطم على الذنب يفهم منه الانطباع بان حكومة اسرائيل هي الرافضة، بينما الفلسطينيون تواقون للسلام. فمنذ سنتين ونصف وحكومة اسرائيل تلاحق ابو مازن، وهذا، ناكر الكارثة حسب تعليمه، ينشغل بالمناورات وبالتملصات. ابو مازن، الذي رد على أعقابه باراك واولمرت يرسخ نفسه كفارس ذي شخصية نزيهة، برغماتي معتدل تعمل في جسده أظافر حكومة يمينية وحشية. فهل حقا؟ حكومة اسرائيل اليمينية جمدت (في سابقة تاريخية) البناء في يهودا والسامرة وفي القدس لعشرة اشهر كبادرة نية طيبة واستجيبت باحتقار فلسطيني وبدعوة رسمية لغيتو اليهود ("يودن راين"). وسبب وجيه للفلسطينيين. في العالم الذي يسوده الرأي المسبق ضد اسرائيل، الكراهية الجذرية، العالم الذي يذبح فيه الاسد ابناء شعبه وما من محتج، لا يوجد أيضا مسعى للحقيقة. ويعرف الفلسطينيون ايضا نفس بهيمتهم الاسرائيلية؛ كيف تنهض القوى المتنورة، التقدمية، باسناد وسائل الاعلام التي تجد صعوبة في اخفاء كراهيتها الغيبية لرئيس الوزراء، لتصرخ بهستيريا: "النجدة، تسونامي امامك". أمس، توماس فريدمان من المروجين الرسميين لاوباما وعزيز أصحاب الرأي المحليين قال في مقال له: "نتنياهو ليس مسؤولا عن سقوط مبارك، ولكنه مسؤول عن ان اسرائيل لم تبلور استراتيجية كي ترد على الوضع في مصر". فريدمان، كما يتبين، نسي كيف انتهى مجد الربيع العربي . فريدمان اياه يتهم الان اسرائيل بانها لم تبلور استراتيجية تجاه المهووس من اسطنبول الذي يهذى بامبراطورية عثمانية أو ضد الفوضى المصرية التي في ذروتها نبس رئيس الاركان المصري بكلمات في الوقت الذي هدد الرعاة بفتك حراس السفارة. يخيل لي أنه اذا كان أحاد هعام يكتب في ايامنا "نصف مواساة" في فريدمان ومؤيديه في الصحافة الاسرائيلية سيردون عليه: "مبدئيا أنت محق، ولكن كن حكيما. اذا اتهمت باحتساء دم الاطفال المسيحيين، فيجدر بك ان تكف عن استخدام مسحوق البندورة والكاتش أب وعصير الكرز الاحمر. انت تعرف، سنبلور استراتيجية لاحتواء الكراهية".