ثمة قدر من عدم النزاهة السياسية وانعدام الاستقامة الفكرية في الانتقاد على رئيس الوزراء نتنياهو. منذ بداية ولايته في 2009 يطالبون نتنياهو بتغيير السياسة، يطلبون منه تغيير رأيه، يضغطون عليه لقبول أمور لا يؤمن بها. ينتقدونه بشدة على سلم اولوياته ويشكون منه على اعمال قام بها واخرى امتنع عن عملها. في كل موضوع، في كل مجال سياسي، في كل بعد وفي كل مفترق. للمنتقدين ميل لكبت حقيقة بسيطة: هذا نتنياهو. إن لم يكن جيدا، فاستبدلوه. هذه هي أفكاره وهذه هي سياسته. نتنياهو لا يمكن تغييره كل بضعة اشهر. وحسب أفضل تقديره، فان الواقع لم يتغير على نحو متطرف. بل العكس: أسس مذهبه تكثفت وتعززت. نتنياهو لم ينتخب كي يدفع الى الامام مسيرة سياسية لانه لا يؤمن بجدواها. نتنياهو لم ينتخب لتطبيق فكرة "الدولتين" لان معارضته للدولة الفلسطينية معروفة، متماسكة ومعللة. نتنياهو لم ينتخب كي يقيم حكومة مع تسيبي لفني. لو أراد مسيرة سياسية، لفعل ذلك. في نظره، خطر الدولة الفلسطينية وايران الاسلامية الفاشية التي تهدد بتخريب الحضارة اليهودية أكبر من المنفعة التي في المفاوضات وفي الانفصال السياسي.نتنياهو لم ينتخب لتغيير سلم الاولويات الاقتصادي لاسرائيل. فهو محافظ – جمهوري يمقت الحكم الكبير، المتدخل والمرشح. فهو مارغريت تاتشر ورونالد ريغان. بالنسبة لامريكيا الديمقراطية لكلينتون – اوباما، نتنياهو هو حفلة الشاي الجمهورية من شخص واحد. نتنياهو لم ينتخب كي يكون صديقا للرئيس اوباما. هو صديقة نيوت غينغرتش وغالن باك. وبشكل عام، الولايات المتحدة بحاجة ماسة لاسرائيل أكثر مما هي اسرائيل تحتاج أمريكا. نتنياهو لم ينتخب كي يعيد اقامة دولة الرفاه. برأيه، دولة الرفاه هي صيغة للتبطل وجمع الصدقات. ينبغي اعطاء صنارة للانسان وليس سمكة. نتنياهو لم ينتخب كي يسعى الى "العدالة الاجتماعية". العدالة الاجتماعية تتقرر في السوق الحرة وفي عدم المساواة، وهي معطى دائم في حياة الفرد والمجتمع ولا يمكن تغييرها من خلال التشريع أو فرض الضريبة. نتنياهو لم ينتخب كي يعالج الفقر أو يعالج سياقا تكون فيه "الطبقى الوسطى" عمليا فقيرة. ربما هو لا يحب الفقر كظاهرة، ولكنه يحب الفقراء أقل. الفقراء ليسوا جيدين للانتاج المحلي الخام، هذا مثقل وهذا غير جميل على نحو خاص.نتنياهو 2011 هو ذات نتنياهو 1996 – 1999 مع اضافة تجرة وتعزيز فكري. فهو متبلور، اراؤه متماسكة وفي أساسه هو سياسي ايديولوجي وليس برغماتيا. تغيير السياسة المنسوبة للمزايا الشخصية ("الصمود امام الضغوط"، "الفزع") لا تعبر عن تغيير قيمي أو فكري بل عن مزايا سلوكية. في الاساس في أساس المطالب بالتغيير تقبع فرضيتان اساسيتان: سياسية وجوهرية. من ناحية سياسية نتنياهو هو رئيس وزراء بفضل 24 في المائة من اصوات الناخبين. هذا أمر غير وارد في الديمقراطية الغربية. عندما انتخب اوباما في 2008 باغلبية 53 في المائة، قالوا أن تفويضه لتغييرات شاملة محدود جدا. عندما انتخب بيل كلينتون في 1992 بـ 43 في المائة قالوا ان لا تفويض له. الطريقة الائتلافية في اسرائيل تسمح لنتنياهو باقامة حكومة مستقرة نسبيا في ظل الاعتماد على شركاء آخرين من الاحزاب الاخرى. ولكن لما كان نتنياهو هو فقط 24 في المائة من الجمهور، فانهم يطالبونه بالتغيير. الفرضية الاساس الجوهرية تتعلق بمفهوم "الواقع" وبحاجة رئيس الوزراء للحكم بنجاعة وفي ظل مراعاة المحيط والدفع الى الامام بقوة قصوى بالمصالح الوطنية. عليه أن يكيف نفسه ويعطي أولوية للواقع على كل مبدأ أو فكرة جاء بهما الى المنصب. الحاجة الى تطوير شبكة علاقات مع الرئيس الامريكي كتحصيل حاصل للتحالف الحيوي بين الدولتين والحاجة الى ادارة مسيرة سياسية وسياسة خارجية معقولة، الحاجة الى تحديث وتغيير السياسة الاقتصادية، الحاجة الى اعادة التفضيل. نتنياهو يدحض الفرضيتين. من يعتقد أنه يحكم في ظل تجاهل الواقع مدعو لان يستبدله، لا أن يطالبه بان يتغير. فهو لا يريد ولا يستطيع.