سيكون هذا شهرا حارا على نحو مميز على ملايين الصائمين في شهر رمضان الذي سيبدأ غدا، وشهرا لا يقل سخونة على مستبدي العالم العربي والاسلامي. فثم معسكران يصارعان عطشا تصيب الحس بالجنون في منتصف النهار يواجه بعضهما بعضا في صراع بقاء. فمن جهة يتابع الشارع عناده منذ نصف سنة باظهار شجاعة غير عادية ويأس وخيبة أمل، ونجح في ابعاد ثلاثة حكام – في تونس ومصر واليمن – وفي ضعضعة الكراسي في أربع دول على الاقل. ومن جهة ثانية لا يعلم بشار الاسد كيف ومتى سينتهي أمره، ويستعد القذافي لصد المفاجآت، وملك البحرين حائر ورئيس اليمن كاد يفقد حياته. وماذا عن المظاهرات التي ترفض أن تهدأ في الاردن؟ وكيف سيتطور تمرد الجنرالات في تركيا؟ أين ستنهار الورقة التالية في برج دومينو "الربيع العربي"؟يقع شهر رمضان على المستبدين العرب في توقيت سيء. بحسب التراث، هذه هي الفرصة السنوية لملايين سيجتمع في صالون العائلة وان يلتهموا الطعام حتى ينقد من الليل الى شروق الشمس، وليشاهدوا مسلسلات التلفاز وليحاولوا ان يكثروا بالصوم عن ذنوب السنة الماضية. وكانت على مدى السنين أيضا فرصة الحكام والاثرياء لاظهار السخاء على الطبقات الفقيرة والانفاق على "موائد الرحمن" بمن لا يقدرون على ان يحصلوا لانفسهم وجبة الفطور اليومية. وقد غمز المستبد بعينه ودفع صاحب الملايين الفاسد ومضغ الفقراء واستدخلوا في أنفسهم خيبة الامل والغضب.لكن منذ وقعت ثورات "الربيع العربي" تحول الامر تحولا حادا. ان شهر الغفران يحظر بلغة صريحة اجراء حروب بين المسلمين ويمنع الصراعات القاسية بين المؤمنين بل ان الشتائم والنمائم تعد خطايا. ما صلة هذا باللافتات الحماسية في الميادين؟ كيف يستطيع حكم القلة العلوية في سوريا اطلاق النار ومطاردة المتظاهرين المسلمين السنيين؟ وكيف سيتصرف شبيحة النظام في دمشق في مواجهة المصلين في المساجد الذين يستعدون للخروج كل ليلة في مسيرات احتجاج؟ أيطلقون النار أم يضبطون أنفسهم؟ ما هو الاقوى، المعركة على السلطة أم احترام واحد من الاركان الخمسة الاساسية في الاسلام؟لم تنتهِ الثورات بعد. فثمّ طوفان جديد يهدد باغراق نظم حكم مهتزة. ومن الصحيح الى الان قبل يوم من اشعال فوانيس رمضان في الشوارع، انه لا يوجد مستبد عربي يستطيع أن يسمح لنفسه باغماض عينيه من غير أن يخشى مفاجآت سيئة. وفي الفجوة بين الحاكم والمواطن البسيط ستندس ساعة امتحان الحركات الاسلامية في أنحاء العالم العربي. عندما اصبح أصحاب الملايين والفاسدون في السجون او اختفوا، هرب المستثمرون الاجانب واصبحت الازمة الاقتصادية ثقيلة، ويمكن ان يكون الحل عند رُسل الله. في مصر يهنئون بقولهم: "رمضان مبارك"، الذي يذكر من الفور في الجملة التظاهرية التي حددت ليوم الاربعاء من هذا الاسبوع للحاكم المخلوع. برغم جميع الاعدادات ووسائل الامن والتأمين لبث مباشر من قفص الاتهام، أراهن على أن مبارك لن يقف ازاء مجموعة القضاة في القاهرة. سيضطر ملايين من يؤملون شنقه الى الاكتفاء بولديه، ووزير واحد ومساعديه الستة، وصاحب مليارات صفقة الغاز حسين سالم الذي سيحاكم غيابيا. كيف سيسلك الجيش ازاء الغضب في الميدان؟ أيحلم شخص ما بالتشويش على الجنود في منتصف الصوم وبأن يرسلهم لقمع ردود الغضب والاحتجاج في الميدان؟ان شهر محاسبة النفس ينتقل لاول مرة الى قصور القيادة العليا. فالمواطن الصغير عمل عمله وكشف عما يضايقه وعن المكان الذي يؤلمه. ان كرة من الرصاص تتدحرج الى ما تحت الكراسي الوفيرة. فقد تنفجر المادة المنفجرة في كل لحظة. والحاكم الذي يصر على البقاء يعلم أنه قد حان دوره باقناع ملايين مجانين من الحرارة والجوع. فليس لهم ما يخسرون وهم لا ينوون ان يقفوا وهم على ثقة بانهم سيحظون بغفران الخطايا اذا أصروا على التضييق الشديد على المستبد.