عرف رئيس ايران، محمود احمدي نجاد أياما أفضل كثيرا. ففي ولايته الاولى للرئاسة بين 2005 – 2009، تحول من سياسي يكاد يكون مجهولا على المستوى الوطني الى أبرز متحدث للنظام الايراني. ظهر تقريبا فوق كل منبر وبهجماته على اسرائيل وانكار المحرقة وبلغته المنفلتة والمتعجرفة وبرؤياه الخلاصية، لم يكن له منافس في القيادة الايرانية. تمتع بتأييد الزعيم الروحي علي خمينائي الذي انتخب مرتين للرئاسة بفضله. وقد علقت الطبقات الفقيرة التي سحبتها حياته المتواضعة، الامال عليه ان يحسن الوضع الاقتصادي.لكن شيئا ما اختل قبيل نهاية الولاية. ففي مدة ولايته للرئاسة زاد تدخل نظام الحكم في حياة الفرد، ومثّل في نظر كثيرين بنظام الاستبداد والقمع. كان انتخابه لمدة رئاسة ثانية في حزيران 2009 في نظر ملايين الايرانيين عملا احتياليا ونتيجة لتزوير الانتخابات وأصبح شخصا مكروها في دوائر واسعة ولا سيما بين الشباب. وجهت صيحات الجمهور في المظاهرات "الموت للديكتاتور" عليه بالاساس. كذلك لم تتحقق توقعات ان يقود الى تحسين الوضع الاقتصادي، واتهم بالمسؤولية عن الازمة الاقتصادية وعن البطالة والتضخم العاليين في الاساس. تضعضعت مكانة أحمدي نجاد جدا في الاشهر الاخيرة. فأصبح رجال دين كبار وقادة في الحرس الثوري وموظفون كبار في جهاز القضاء وأعضاء من مجلس الشعب ووسائل اعلام يهاجمون سياسته وسلوكه علنا. وطُلب اليه أن يقيل صهره ومستشاره الاقرب، اسفنديار مشائي من منصبه بصفته مسؤولا عن شؤون الثقافة وان يقيل أيضا واحدا من نوابه اتهم بالفساد. وقد اتهم بانه يعد مشائي للرئاسة التالية بعد سنتين عندما لا يكون قادرا على ان يصبح رئيسا وهكذا يستمر على الحكم من وراء ستار. في المقابل وجه عليه انتقاد شديد في مجلس الشعب حينما أقال وزيري الخارجية والاستخبارات اللذين كانا مقربين من الزعيم الروحي وعندما اراد أن يستولي على منصب وزير النفط بالفعل ويمزج بين المكاتب الحكومية. اعتقل في الاونة الاخيرة أكثر من اثني عشر من مقربي الرئيس ودعا عشرات من اعضاء مجلس الشعب الى عزله. لكن الاشد هي القطيعة التي تبينت بينه وبين الزعيم الروحي خمينئي.ليست ظاهرة الصراعات في القيادة الايرانية جديدة. للنظام الايراني بنية فريدة في نوعها حيث توجد القوة الرئيسة في يد الزعيم الروحي لكن يعمل تحته رئيس ينتخبه الشعب كله مسؤول عن الذراع التنفيذية. تستدعي هذه البنية صراعات بين القادة الذين يسعى كل واحد منهم الى توسيع سلطاته. بين الرؤساء الخمسة الذين سبقوا احمدي نجاد، عزل الاول وفر الى باريس، وقتل الثاني في حادثة ويعد الاثنان الاخران في رؤساء المعارضة اليوم. تتصل الحالة الراهنة بقدر كبير بضيق نظام الحكم منذ نشب الاحتجاج عليه في حزيران 2009. يبدو أن خمينئي يقدر ان احمدي نجاد اصبح عبئا عليه، وهو يريد أن يوجه النقد العام عليه وان يجعله كبش فداء. أما احمدي نجاد فيريد أن يميز نفسه من رجال الدين كي يحظى بتأييد الطبقة الوسطى. أعلن الطرفان في هذه الاثناء هدنة. يستطيع خمينئي أن يقيله وقد يقيله لكن لما كان احمدي نجاد سينهي عمله أيضا بعد سنتين ولم يستطيع ان ينتخب لولاية ثالثة بحسب الدستور – فقد يفضل ابقاءه في عمله مقلص الصلاحيات.ان معنى سقوط احمدي نجاد عند اسرائيل مختلط. فمن جهة يكون الوضع أفضل مع نقص واحد من كارهي اسرائيل، زيادة على أن كل صدع في نظام الحكم قد يقرب تغييره. ومن الجهة الاخرى، حتى لو كان احمدي نجاد قاد حملة الكراهية الموجهة على اسرائيل فان مواقف خمينئي منها لا تختلف كثيرا. والى ذلك سهل تطرف احمدي نجاد الموجه على اسرائيل، عليها ان تثبت للعالم خطر التهديد الايراني وكسبت بذلك ذخرا دعائيا حقيقيا. وفي الختام، لن يغير سقوط احمدي نجاد معنى التهديد الذري الايراني، لقد أحب ان تلتقط له الصور في المنشآت الذرية لكن اتخاذ قرارات في هذا الشأن لم يكن في يديه ويوجد اصلا اتفاق في القيادة الايرانية على الاستمرار على السعي الى السلاح الذري.