شكرا للأخ والصديق العزيز عدنان أبو حسنة المتحدث الاعلامي باسم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، الذي وضع الأمور في نصابها بشأن الضجيج المثار هذه الأيام حول الـ UNRWA، والتخفيضات التي تطال بعض برامجها الطارئة، وعلى وجه الخصوص برنامج المساعدات العينية ( الكوبونات) الذي كان يشمل ستمائة ألف شخص في قطاع غزة وتم تخفيضه الى مائة وعشرين ألفا فقط، وكذلك برنامج التشغيل الطارئ والمؤقت ( البطالة)، بينما أكد الأخ عدنان أبو حسنة أن برامج الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحية لم يحدث بشأنها أية تخفيضات، على الرغم من أن الوكالة بحاجة من الآن وحتى نهاية هذه السنة الى قرابة خمسين مليون دولار. أعتقد شخصيا ان هذا الضجيج المثار حول الأونروا والاتهامات الموجهة اليها، هو أمر مبالغ فيه جدا، بل هو في جوهره يشكل نوعا من تفريغ شحنات الاحباط السياسي التي تعاني منها مجمل القوى السياسية الفلسطينية، كما أنه نوع من الهروب من الالتزامات الحقيقية الى افتعال خطر وهمي أو عدو وهمي أو قضية وهمية. بداية، ليس هناك جديد في اعلان الـ UNRWA أنها تعاني من عجز مالي كبير قياسا الى حجم موازنتها والى حجم احتياجاتها المتزايدة، والأونروا لا تستطيع أن تعلن عن هذا العجز دون أن يكون هذا العجز حقيقيا في مواردها المالية، ومعروف أنها تعتمد على ما يقدمه المانحون، وأن ما يزيد عن ثمانية وتسعين بالمائة من الأموال التي تحصل عليها هذه الوكالة الدولية الهامة جدا تأتي من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، وأن بعض الدول العربية الشقيقة لا تساهم في هذه الموازنة الكبيرة بأكثر من عشرة آلاف دولار سنويا أو أقل من ذلك، أي برقم يكاد يكون صفريا، بينما الشكر كل الشكر للأشقاء في المملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة ودولة الكويت التي لم يسجل عليها قط أنها قصرت في التزاماتها ولولاها لكانت المساهمة العربية مؤسفة فعلا ومدعاة للخجل. و لكن علينا أن نعرف، أن برنامج المساعدات العينية الطارئة ( الكوبونات ) نشأ وزادت الحاجة اليه منذ بدأ حصار قطاع غزة من أكثر من أربع سنوات، ولكنه رغم ذلك يعاني من قدر كبير من الفوضى، حيث ثبت أن كثيرا من رجال الأعمال والتجار وكبار الملاك وكبار الموظفين في القطاعين الحكومي والخاص يستفيدون من هذا البرنامج المخصص أصلا للمحتاجين والأكثر فقرا، فهل هذا معقول؟ وهل هذا يتناسب مع جعجعة الشعارات والادعاءات والفشخرات؟ بل انه حتى عندما خفض الرقم الى مائة وعشرين ألفا من المستفيدين من برنامج الاعانات العينية الطارئة ( الكوبونات) وجد أن قرابة خمسة وثلاثين ألفا لم يعودوا موجودين في قطاع غزة منذ شهور طويلة، فهل يعقل أن تصرف الـUNRWA مساعدات عينية طارئة لأشخاص ليسوا موجودين في القطاع، بل هم في أوضاع حسنة تسمح لهم أن يكونوا في الخارج؟ المساعدات والخدمات يجب أن تذهب لمستحقيها وليس للذين يجيدون التسول والصراخ والاثارة، أو يوجهون الاتهامات دون أن يعرفوا التداعيات. في السنوات الأخيرة، حصل تطور هام جدا بالنسبة لمسيرة وكالة الأمم المتحدة لاغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الـ UNRWA، وهو نقل مقرها الرئيسي من فينا الى غزة، وكان ذلك بمثابة انتصار للفلسطينيين في أن يكون مقر الوكالة بينهم، وشهادة ثقة للسلطة الوطنية الفلسطينية ان يكون المقر المركزي للوكالة عندها وفي أراضيها، وبالفعل جاء موظفو الوكالة الكبار، وتعرفنا عليهم وهم شخصيات دولية مهمة مثل كارين أبو زيد، وجون جينج، وغيرهم، وكان يتوجب على جميع الجهات أن تكون بمستوى هذا القرار الهام، وأن تحافظ على الوكالة، وأن تساعدها للحصول على تقارير ايجابية وممتازة بخصوص عملها، والنأي بها بيدا جدا عن الخلافات والتراشقات التي صاحبت الانقسام الفلسطيني منذ أكثر من أربع سنوات والحرص على عدم ايذائهامن خلال اقحامها في المهاترات الفارغة مثلما جرى حين وصفت نقابة عمال الوكالة انها نقابة تعمل في السياسة الحزبية وليست نقابة مهنية ومحايدة. وكالة الغوث هي وكالة كبرى تابعة للأمم المتحدة، تابعت الشعب الفلسطيني وقضيته الكبرى قرابة ستين سنة، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة، تعتمد في حجم نشاطها على دول المانحين، وهي لكي تجد الاهتمام والعون فانه يلزمها أن تتمكن من القيام بعملها في ظروف هادئة ومتوازنة، بعيدة عن الخلط في القضايا والموضوعات، مثلما يحدث الآن على لسان بعض الأدعياء والمتسرعين، الذين يخلطون بين عجز الموازنة الذي كان دائما موجودا ويتم التعامل معه بشكل أو بآخر من خلال استنهاض همة المانحين، والقول ان التخفيضات في بعض البرامج الطارئة وليست الأساسية انما يستهدف القرار 194 المتعلق باللاجئين الفلسطينيين، بل البعض يذهب الى الشطط أكثر فيدعي أن هذه التخفيضات في البرامج الطارئة وليست الأساسية انما يستهدف المصالحة ووضع العراقيل في طريقها !!! نتمنى من جميع القوى السياسية أن تثوب الى رشدها، وأن تكون وصلت الى مرحلة النضج السياسي، فتتوقف عن هذا النوع من الصراخ وكيل الاتهامات الفارغة، وأن يتوجه الجهد الوطني الفلسطيني نحو المجتمع الدولي، ونحو الأشقاء العرب بصفة خاصة لكي يساعدوا الـ UNRWA على تخطي الصعاب، والتخلص من العجز المالي الذي تعاني منه وأعلنته على رؤوس الأشهاد، وأن نحافظ على أن يظل المقر الرئيسي للأونروا موجودا في فلسطين، وفي قطاع غزة على وجه التحديد، وهي الوكالة التي صاحبت قضيتنا منذ ستة عقود، والتي استطاعت في أوقات معينة أن تجعل من التعليم الأساسي والتعليم المهني في أوساط اللاجئين الفلسطينيين يصل الى مراحل متقدمة جدا، لدرجة أنه جاء وقت من الزمن كان فيه التعليم في عديد من الأقطار العربية يقاس الى مستوى التعليم في قطاع غزة !!! وهذا ما حاولت أن تعود اليه الأونروا في سنواتها الأخيرة عندما جاء جون جينج ليعطي للتعليم الفلسطيني التابع لهذه الوكالة اهتماما كبيرا، وأن يبشر به كرسالة لا غنى عنها، وأن يحدث ثورة في أهلية وأداء المدرسين تستحق أن تصل الى العديد من بلدان العالم. ارحموا الأونروا من هذا الصراخ، و أرحموا أنفسكم من هذا الصراخ، فقد ثبت لكم ألف ألف مرة أن الصراخ يضر ولا يفيد.
[email protected] [email protected]