لا كلمح البصر ولا بشكل فوري، بل بانجراف متواصل، نحن نفقد حدود المسموح والممنوع. العادة السيئة تصبح طبيعة ثانية وحقوق الانسان تُداس بمعاذير فظة لاعتبارات الأمن التي ليست سوى غطاء لاعتبارات ديمغرافية، وهدفها تشويش الحقيقة الفظيعة في أن سياسة من قبيل الابرتهايد تحظى منذ الآن بشرعية كاملة. هكذا حصل الآن في الخليل. المحكمة العليا ردت مؤخرا الالتماس الذي رفعته بلدية الخليل "و 90 آخرون"، بمعنى 90 من سكان المدينة على سياسة الفصل التي تُنتهج في جزء من شوارع المدينة وتمنع سكانها العرب من سياقة سياراتهم في شوارع مركزية بل والتحرك سيرا على الأقدام، بشكل حر، في بعض آخر منها. يجدر الانتباه الى لغة قرار المحكمة. فالقضاة يشيرون الى أن الحديث يدور عن "قلب المدينة، المكان الذي كان في الماضي منطقة تجارية تعج بالحياة من المحلات التجارية في أحياء مكتظة". ضمن امور اخرى، تتضمن المنطقة سوق الدجاج وزقاق الذهب. والآن يعرف كل من يتجول في المكان بأن هذه الاماكن التي تعج بالحياة أصبحت مكب قمامة. ميدان المدينة فارغ، الشوارع مقفرة تماما، السكان، الذين لا يمكنهم أن يخرجوا من منازلهم الى الشارع الرئيس، المسدود في وجه العرب، وكان يفترض بهم أن يلتفوا عبر الأسطح، الثغرات والفتحات الخلفية، اضطروا الى المغادرة. أحياء كاملة مهجورة. ولكن المحكمة ردت الالتماس. شوارع المدينة تحولت منذ الآن الى "محاور سير" بلغة قرار المحكمة، وكأن الحديث يدور عن مسار دبابات. ويسمى حظر الحركة الحرة على العرب باسم مغسول هو "قيود الحركة"، والفصل يُسوغ من خلال استخدام كلمات كمنع "الاحتكاك بين شطري السكان في المدينة"، بمعنى بين اليهود والعرب. وتكتفي المحكمة ببعض التسهيلات، مثل حقيقة أن "محور صهيون يُفتح أمام حركة السيارات"، ولكنها تشير الى أن هذه "موضع رقابة وقيود لاولئك الذين يسكنون في المنطقة وهم أصحاب سيارات". وبالارقام: 36 إذن بالاجمال. الاسوأ من كل شيء هو المبرر لرد الالتماس. المحكمة لم تبحث في مسألة اذا كانت اعتبارات الأمن يمكنها أن تبرر المس الخطير بحرية الحركة. وهي لم تكن مطالبة بأن تعبر عن موقفها من الطرد غير المباشر للسكان ممن لا يمكنهم أن يخرجوا من البيت أو يدخلوا اليه عبر الشارع. وهي لم تتطرق الى الخطوة التي تشكل عقابا جماعيا. القفراء العامة لا تشغل بال أحد. وكذا مسألة النسبة العددية بين المستوطنين اليهود وبين السكان العرب ممن اضطروا الى المغادرة، لم تُبحث. وبدلا من ذلك يظهر سطر ساحق يقول: "في هذا الوقت الالتماسات التي أمامنا استُنفدت ولا يوجد مجال آخر لمواصلة البحث فيها". ماذا يعني أن الالتماسات استُنفدت؟ أننا ببساطة مللنا؟ اعتدنا؟ لم يعد لدينا القوة للتصدي لهذه المسائل؟. هذا أحد الاقوال الغريبة التي توجد في قرارات المحكمة، واذا ما نظرنا الى الوراء لن نعرف كيف نشرح كيف وصلنا الى ذلك. اذا كانت المحكمة اقتنعت بأن اعتبارات الامن تبرر الفصل، فلتقل. واذا كانت تعتقد بأن لا مبرر للفصل، فلتقرر. ما هذا "استُنفدت"؟. الابرتهايد هو كالمرض. فهو يبدأ صغيرا. وهو يبدأ عندما يقبل الناس الفصل كأمر اضطراري ومن يثور ضده كلجوج. يبدو أن الجرثومة باتت موجودة هنا. المؤشرات الاخرى – تشريع ضد منظمات حقوق الانسان، محاولة إسكات خطوات احتجاج شرعية، والأجواء العامة لـ "إما أنك معنا أو ضدنا" – تدل على أن المرض يستشري.