ليس بنيامين نتنياهو غبيا، فمن المؤكد أن رئيس الحكومة يعلم أن صور رجال شرطة يجرون مدنيين جاءوا للاحتجاج على الاحتلال والحصار، لا تعزز مكانة اسرائيل باعتبارها "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط". ولا شك في أن نتنياهو يدرك أن الاتجار والبيع بعظام جافة لمخربين لا يُسهمان في ترميم بقايا الثقة بين اسرائيل والفلسطينيين. ويجوز لنا أن نفترض أنه متنبه الى أن مواجهة واضحة مع رئيس الولايات المتحدة تضر بمصالح اسرائيل البعيدة الأمد. ويخطر بالبال أن الخبير بامريكا أخذ في حسابه أن رفض لقاء وفد من اعضاء كونغرس امريكيين مؤيدين لمنظمة السلام "جي ستريت" لا يعرضه بصورة زعيم مستنير. يعرف نتنياهو ما يفعل وهذا بالضبط ما يريده. كان كل شيء ذات مرة أسهل: فقد زرع مخربو حماس المنتحرون الخوف وحصد اليمين الكراهية. هرّب الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات سفينة سلاح وهرّب اليمين الناخبين من اليسار. عندما لا تخشى الأمهات إرسال الأبناء للهو في المجمعات التجارية يكون تعزيز الكراهية أصعب. وعندما يُجيز الرئيس الفلسطيني محمود عباس قرارا في مؤسسات فتح على تبني الصيغة التي اقترحها الرئيس براك اوباما لتجديد التفاوض، يجب استحداث مصادر جديدة للكراهية. فروح المصالحة مع العرب والتأييد الدولي قد يُدخلان، والعياذ بالله، في ذهن الناخب فكرة أن اراضي "يهودا والسامرة" هي "اراض محتلة". وقد يعتقد ايضا أن هناك منطقا في تجميد البناء في المستوطنات اثناء المباحثات في مصير الضفة وشرقي القدس. إن القافلة البحرية والرحلة الجوية والمواجهة مع السلطة الفلسطينية والازمة مع اوباما ومناكفة اليسار – كلها تؤدي العمل لنتنياهو. "يجب تكسير عظامهم"، قال أحد من أُجريت لقاءات صحفية معهم لمراسل الراديو الذي أرسل التقارير من مطار بن غوريون عن استقبال نشطاء السلام، المعذرة – "المتظاهرين الموالين للفلسطينيين" ("المتحرشين"، بلغة مراسلين ممتازين). اقترح أحد كُتاب الردود في الانترنت "ربطهم وتنويمهم ليُمكن آنذاك نقلهم مثل حمولة من حيوانات"، ووجه مسافر في مطار بن غوريون نشطاء السلام الى أن "يذهبوا للتظاهر في سوريا". إن الحملة الدعائية الصادحة في شأن نزع الشرعية عن "مجرد وجود دولة اسرائيل" التي يقوم بها الفلسطينيون وأشياعهم في العالم، تجعل منتقدي الحكومة الأشد يمينية مما حكم اسرائيل تجعلهم كارهين لاسرائيل بمرة واحدة. فنحن نرد القوة بقوة أكبر. ونرد الكراهية عندنا بكراهية أكبر. من ذا يهمه أن عباس يكرر اعلانه أنه يعترف بدولة اسرائيل في حدود 1967 باعتبارها دولة الشعب الاسرائيلي؟ ولماذا ندفع الثمن عن جلعاد شليط اذا كانت معاناة الجندي الأسير الفظيعة وتنكيل حماس القاسي بأبناء عائلته يضمنان التزويد الدائم بكراهية العرب؟ ومن ذا يهمه أن جماعة جليلة من خريجي جهاز الامن تدعو الى تنفيذ صفقة شليط فورا؟ لو أن نتنياهو كان ينظر الى تهاوي مكانة اسرائيل في العالم ويجعلها صوب عينيه لما ترك علاقات اسرائيل الخارجية في يد الشخص الأكثر استحقاقا للقب وزير الوقاحة. جعل رئيس الحكومة التأييد الذي يزداد في العالم لدولة فلسطينية ذخرا سياسيا. وجعلت الحكومة الانتقاد الداخلي عليها خيانة تقريبا للدولة زمن الحرب: "هدوءا! يطلقون النار علينا". إن نزع الشرعية عن معارضي الاحتلال والظلم، وكراهية اليسار تتغلغل حتى أصغر رجال الشرطة. والنشطاء الاسرائيليون في "التضامن"، الذين يتظاهرون في عناد في الشيخ جراح وسلوان، ونشطاء "نكسر الصمت" ومتطوعات "رقابة الحواجز"، يتحدثون عن عنف كلامي فظ وعن عنف مادي احيانا يستعمله عليهم أفراد قوات الامن. من اجل صب الزيت على عجلات الكراهية يستعين نتنياهو ومتحدثوه بنشرات كراهية في الجانب الفلسطيني، تُذكر بـ "نظرية الملك" والمنشورات الدينية الاسبوعية التي يتم توزيعها في الكنس. أبلغ عباس الادارة الامريكية، لمواجهة هذه الظاهرة، استعداده لأن يجدد فورا عمل اللجنة المشتركة لمنع التحريض، بل نقل رسائل مباشرة في ذلك الى ديوان رئيس الحكومة. لكن نتنياهو يفضل بيع كراهية غير اليهود. وهو يعلم أن الملجأ دافيء لذيذ للاسرائيليين والأساس أن يكون فيه جبن الكوتج الرخيص.