لنقل إنه من حقنا الفرح بالمشهد العالمي بعد فوز مرشحي الحزب الديموقراطي في انتخابات التجديد النصفي الأميركية، وقبل ذلك خسارة معسكر نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية، أو على الأقل تعقيد فرص عودته إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية، كما يبدو إلى هذه اللحظة.
ولا يضيرنا لو مررنا سريعاً على خسارة حلفاء نتنياهو في بلغراد وبودابست وساو باولو أو برازيليا، وبعض «النكد» الذي أصابه بسبب ما انعكس عليه وعلى مخططاته في إثيوبيا والقرن الإفريقي، وبالتأكيد في مناطق أخرى في العالم لم نعرها اهتماماً كافياً أو لم ننتبه لها.
لنترك الجدل الدائر حول إن كان الديمقراطيون أفضل لنا من الجمهوريين وترامب، ولنعتبر هذا الجدل عقيماً لا يقدم ولا يؤخر.
ولنتجاوز التوقعات والافتراضات حول السياسة التي يمكن لحكومة برئاسة آيزنكوت أن تنتهجها تجاهنا، أقصد في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة.
ولنتفق على إنهاء النقاش الذي لا نتيجة له حول إن كان السابع من أكتوبر هو من تسبب بهذه التغييرات أم أن غزارة الدم في غزة نتيجة للتوحش الإسرائيلي هي السبب، ولنطرح على أنفسنا سؤالاً افتراضياً هو:
ماذا لو كان غادي آيزنكوت رئيساً لحكومة إسرائيلية، ولنفترض أنها وسطية وغير متطرفة ومتوحشة كحكومة نتنياهو الحالية بكافة أطيافها، في اليوم الذي حدث فيه هجوم السابع من أكتوبر؟.
ليعذرني القارئ على هذا السؤال إن بدا استفزازياً، وليتمهل قليلاً لأن الهدف ليس قياس الرد الإسرائيلي المفترض أبداً، كما أنه ليس محاولة للمفاضلة بين هذا وذاك، وبكل تأكيد ليس تلميحاً بأن الهجوم كان لا بد وأن يستدعي رداً كهذا بصرف النظر عمن يترأس الحكومة الإسرائيلية.
إن لهذا السؤال غاية مختلفة تماماً، وإجابته بالاستنتاج لا بالتصريح.
لنتذكر أولاً أن الحرب بدأت حين كان الديمقراطيون برئاسة بايدن على رأس الإدارة الأميركية، ولمن يريد أن ينعش ذاكرته أكثر يستطيع أن يعود إلى اليوم الثالث أو الرابع من الحرب حين رسم مستشار الأمن القومي الأميركي لدى البيت الأبيض، جو كيربي، خارطة تبين مسار التهجير المقترح من قِبله للفلسطينيين من شمال قطاع غزة نحو مدينة رفح في الجنوب، حتى قبل أن يصدر عن نتنياهو وجيشه أي إعلان رسمي بنوايا التهجير.
لا نبرئ نتنياهو بالطبع، لكن لا بد من التذكير أن أول من رسم مساراً للتهجير وقام بطرحه أمام وسائل الإعلام كان كيربي، العضو البارز في الإدارة الديمقراطية، والتي كان أحد فضائلها، وهذا مهم جداً برأيي، هو كرهها لنتنياهو ولسياساته لدرجة رفضها لاستقباله في البيت الأبيض.
أريد أن ألفت الانتباه أيضاً لمعلومة يتغافل عنها البعض، وهي أن الصين بعظمتها كمنافس أول للولايات المتحدة على قيادة العالم حسب آراء كثير من المحللين، تُعتبر من المعسكر الحليف لنا كفلسطينيين.
روسيا وما أدراك ما روسيا وريثة الاتحاد السوفييتي بعظمته، هي كذلك محط أنظار وآمال القائلين بنظرية معنا وضدنا. لكن ولشديد الأسف والغرابة، تُعتبر الصين من أهم الشركاء التجاريين مع الدولة التي تنكّل بنا، والأغرب أن هذه الشراكة التجارية تعززت خلال السنوات الثلاث الأخيرة في الجانب الخاص بالتكنولوجيا العسكرية والدفاعية.
وهنا يبرز سؤال آخر، وليكن ساذجاً: هل نعوّل على تحالف الطلاب الذي أطاح برجل ترامب في أوروبا الشرقية، الزعيم اليميني الذي يحكم صربيا منذ 14 عاماً، بأن يحرّك المياه الراكدة لصالح قضيتنا؟ ربما. لكن لماذا لم تفعل الصين وروسيا ذلك؟
أم أننا نكتفي بمراكمة حلفاء ومتضامنين لا يفعلون شيئاً إلا إصدار البيانات وإبداء التعاطف، (ولا نريد هنا أن ندخل في دهاليز استخدامنا لصراعاتهم الحزبية الداخلية)، بينما قضيتنا تسير من سيئ إلى أسوأ، وشعبنا يعاني الويلات في خيام غزة وعلى حواجز الجيش في الضفة؟.
أين المشكلة إذاً؟ ولماذا يتغير العالم بسببنا ولصالحنا بينما نحن نتراجع؟ ثم ماذا لو كنا أمام حكومة إسرائيلية برئاسة آيزنكوت تستطيع أن تقوم بتلميع صورة إسرائيل في العالم، وأن تعيد ضبط الصراع من النقطة التي انتهى إليها على يد حكومة نتنياهو؟. أقصد أن تقوم هذه الحكومة بأفضل ما يمكننا تخيله وهو إنهاء الحرب، لكن دون أن تتراجع عن الوقائع التي فرضتها الحرب على الأرض.
وهنا لا يجب أن ننظر إلى الوقائع المتعلقة باحتلال ثلثي غزة أو إقامة البؤر الاستيطانية في الضفة وحسب، وإنما الوقائع المتعلقة بالجانب السياسي أيضاً، وهو ما يخص التدخلات الإقليمية في السياسة الفلسطينية، والتقاسم الوظيفي لبعض الدول الطامعة بإدارة غزة من عرب وغير عرب، ودور مجلس السلام وما إلى ذلك.
إذاً العالم يتغير، وهو دائم التغير على كل حال ولأسباب كثيرة من بينها نحن، لكن هل وظيفتنا أمام هذه التحولات هي أن نتفرج ونفرح، وأن نراقب استثمار الآخرين لنتائج الحرب التي تطحننا بينما نعجز نحن عن استثمارها؟.
أعتقد أن المطلوب فلسطينياً هو تجاوز هذا الفرح والشعارات المرافقة له والبدء بخطة وطنية أراها في النقاط الآتية:
أولاً، وعلى عكس ما يطالب به أغلب العاملين في حقل السياسة الفلسطينية، لا بد أن نتخلى عن وهم المصالحة نهائياً، حيث إن جمع فصائل تحت سقف واحد مهما تناقضت برامجها لمجرد التغني بالوحدة الوطنية أصبح ضرباً من العبث السياسي. نحن بحاجة لمرجعية وطنية لا يحتكرها فصيل ولا تتحكم بها قوة مسلحة، مرجعية تقوم بتحديد أهدافنا وسبل الوصول إلى هذه الأهداف، والأهم أن تكون ملتزمة بالشرعية الدولية، ما دمنا نعوّل إلى هذه الدرجة على النظام الدولي.
ثانياً، إطلاق حملة دبلوماسية هجومية ومبادِرة، وأن نكف عن هذا الخمول الذي ينتظر التضامن وكأنه سينعكس علينا تلقائياً. نريد عملاً سياسياً مقنعاً يعمل بين المتضامنين لحثّهم على التزامات سياسية وقانونية محددة.
ثالثاً، تقديم تصوّر فلسطيني لمستقبل غزة يرفض التقاسم الوظيفي ويربط إعادة الإعمار بوحدة الأرض والسيادة الفلسطينية عليها.
رابعاً، الإعلان صراحة عن مجموعة من قيم وأساليب النضال، ترفض بالمطلق استهداف المدنيين، وترفض بالمطلق اعتبار الصراع السياسي صراعاً دينياً، وتضع ضوابط صارمة تعاقب من يتجاوزها.
بلا علاج لمشاكلنا الداخلية فإن أي تغيير في العالم سيظل تغييراً يفرحنا لأيام دون أن يقدمنا خطوة جدية نحو تحقيق مشروعنا، فقد يأتي رئيس في البرازيل مع حقوقنا، وفي المقابل تقوم إسرائيل بخطف الصين منا بلغة المصالح لا الحقوق.
قد يذهب ترامب فتتوقف الحرب على إيران ونعود إلى صيغة المحاور المتصارعة بدمنا، وقد يأتي آيزنكوت فنكتشف أنه سارَع ببناء علاقة مع ممداني وعبدول الديمقراطيين، بينما نحن مشغولون بجلسات المصالحة الوطنية.


