بعد قرار أذربيجان تطبيق قواعد الزي المدرسي وما أدت إليه من منع طالبات محجبات من دخول مدارس كما طالت القيود معلمات أيضاً، كانت هناك ارتدادات وردود فعل مماثلة في الإقليم، لينحرف النقاش عن دقته وسياقاته أو يَختزل القضية ويطمس الحقيقة، وصولاً إلى توظيفه في خدمة تجاهل التنوع والاختلاف الديني والفكري أو توظيف الجدل ضد الحركات النسائية وحقوق النساء.
بداية
بداية: لا بد من توخي الدقة في وصف ما حدث، لأن قواعد الزي في المدارس الحكومية التي قامت بتعديلها حكومة أذربيجان في أيلول الماضي، منعت ارتداء ملابس تخالف الزي المدرسي الموحَّد أو تتعارض مع الطابع العلماني للتعليم، وهو ما فسرته بعض الإدارات المدرسية على نحو شمل الحجاب، رغم كونه يتعلق الأمر بتفاصيل خاصة في البيئة التعليمية، ولا يصح وصفه بحظر شامل للحجاب في البلاد.
وبداية أخرى: حين يذهب الأطفال إلى المدرسة، تحمل أسرهم أملاً بأن يجدوا فيها العلم والمعرفة والأمان، وأن تتسع أمامهم فرص التطور والحياة.
وتزداد قيمة هذا الأمل في المجتمعات المثقلة بالصراعات والحروب والأزمات المعيشية، حيث يصبح الوصول إلى مقعد دراسي إنجازاً استثنائياً وخاصة في المناطق التي تعيش سياق الاحتلال مثل قطاع غزة والضفة الغربية وكذلك في مناطق التنوع الديني والثقافي، لذلك يستحق كل نقاش يتعلق بلباس الطالبات أن ينطلق من الحرص على استمرار تعليمهن، واحترام هوياتهن وكرامتهن وقناعات أسرهن، وحماية المدرسة بوصفها مساحة تجمع الأطفال على اختلافهم.
بات من المؤكد أن القضايا التي تتعلق باللباس تخلق الجدل وتثير الحساسيات بسبب ارتباطها بالخصوصيات الثقافية، فحكومة «باكو» تقول إن مقصدها لا يخرج عن توخي حماية المساواة والانضباط وعلمانية التعليم.
وفي المقابل، ترى المتضررات أن هذه الإجراءات تمس حقهن في التعلم والعمل والتعبير عن قناعاتهن، لتدعو منظمة العفو الدولية إلى إلغاء القيود التمييزية وضمان عودة الطالبات والمعلمات، ليضعنا الأمر برمته أمام سؤال عملي: كيف يمكن تنظيم الحياة المدرسية بطريقة تحترم التنوع وتحافظ على وجود جميع الطالبات داخل الصف؟
الإجابة تحتاج إلى حوار تربوي واجتماعي يتقدم فيه حق التعليم، وتُبحث خلاله ترتيبات معقولة تراعي احتياجات المدرسة وقناعات الملتحقات بها. فالمحجبة تستحق الاحترام الكامل، وكذلك غير المحجبة، ولا ينبغي أن تتحدد قيمة أي منهما أو فرصها التعليمية من خلال لباسها، كما ينبغي احترام الحرية الشخصية للجميع بما يجعل ويقتضي أن تشعر كل فتاة بالأمان، وألا تتعرض للسخرية أو الإحراج أو الضغط بسبب مظهرها.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية في منطقتنا، حيث تتداخل النقاشات حول لباس النساء مع خلافات سياسية وفكرية واجتماعية معقدة، وتحتدم سريعاً بسبب تعكر الأجواء وتتحول إلى أحكام على الأخلاق والانتماء، وخاصة في مناخ يطفو على سطحه الهجوم على حقوق المرأة، يجعلنا نحتاج إلى لغة نقاشية أخرى تفتح باب التفاهم وتحفظ حق الاختلاف، وإلى نقاش يستمع للنساء بمختلف قناعاتهن، ويبتعد عن تحويلهن إلى عناوين مفتعلة لمعركة يتحدث الجميع فيها بالنيابة عنهن.
وأحسب أن ما يتم تداوله في غزة عن فرض الجلباب والحجاب في الخيام التعليمية لا يخرج عن الارتدادات المشار لها سابقاً، لأنه بالضرورة ينشئ مسؤولية مادية مضاعفة على ما تتحمله الأسر من فقد ونزوح وعوز، بينما الأولوية لدعم وتسهيل كل فرصة للتعلم، وإلى تخفيف الأعباء عن الأهالي، ومراعاة ما يتوفر لأطفالهم من ملابس ومستلزمات.
وفي كل الأحوال، وبصرف النظر عن السجالات المتداولة التي تحتاج وقائعها إلى التثبت، فإن المبدأ الذي ينبغي أن يجمعنا هو ضمان وصول جميع الطفلات إلى التعليم، واحترامهن، وتوفير ما يساعدهن على التعافي واستعادة الشعور بالحياة؛ لأن الطفلات لهن خصوصية ينبغي التوقف عندها، لأن قدرتهن على فهم الحرية الشخصية وممارسة الاختيار بوعي تتطور مع العمر والتعلم والخبرة.. ولهذا تقع على الأسرة والمؤسسة التعليمية مسؤولية مساعدتهن على الفهم بالتوازي مع تجنب الضغط أو التمييز.
ويجعلني هذا النقاش المجتمعي الذي لا يخلو من الترهيب أن أعتبر أن المسألة برمتها تستحق حواراً هادئاً حول المعاني المرتبطة أحياناً بارتداء الطفلة للحجاب، وحقها في اللعب والتعلم والرعاية، بسبب تقديم تغيير اللباس كإعلان عن تحول الطفلة إلى امرأة، ما ينشئ توقعات تتجاوز عمرها واحتياجاتها.
وأخيراً، يمكن أن نختلف في الرأي حول اللباس وأساليب التربية، وأن نلتقي على مسؤوليتنا عن حماية الفتيات من الحرمان والتمييز، ومن تحميلهن أدواراً أكبر من أعمارهن.


