نشر معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، بتاريخ 21 أكتوبر/تشرين الأول 2026، ورقة رؤية (Insight) لكلٍّ من أودي ديكل وعوفر غوتمان، تحمل عنوان «خبراء دوليون ووكلاء ذكاء اصطناعي يفكّكون مستقبل الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني: استنتاجات أولية من ورشة عمل هجينة»، تلخص نقاشات مكثفة دارت خلال ورشة عمل كان المعهد قد نظم آخر جلساتها بتاريخ 15 أكتوبر الجاري، وضمت خبراء إسرائيليين ودوليين ووكلاء ذكاء اصطناعي لبحث مستقبل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.
وفيما يلي ترجمة للورقة، ثم تعليقي وتحليلي الذي يفصل بين نتائج المحاكاة والافتراضات السياسية التي تقوم عليها.
الترجمة
عقد معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، خلال الأشهر الماضية، ورشة عمل هجينة، كانت آخر جلساتها في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026، جمعت خبراء بشريين ووكلاء ذكاء اصطناعي لتقييم أربعة بدائل للتعامل مع الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني:
1. مواصلة إدارة الصراع: ضمن إطار متطور يتكيف مع المستجدات الميدانية.
2. خطة الحسم: فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية، وتفكيك السلطة الفلسطينية، وتشجيع هجرة الفلسطينيين منها.
3. اتفاق شامل: يستند إلى رؤية دولتين لشعبين.
4. تحويل مسار الصراع: من خلال نموذج تدريجي يمنع الانزلاق إلى واقع الدولة الواحدة، ويشمل الفصل السياسي والإقليمي والديمغرافي، مع تعزيز القدرات المدنية لكيان فلسطيني ذي سيادة محدودة، خصوصًا في المجال الأمني، ويُشار إليه اختصارًا بـ(PELS).
ناقش في جلسات هذه الورشة نحو خمسين خبيرًا إسرائيليًا ودوليًا نتائج محاكاة رقمية أجراها المعهد خلال الأشهر الماضية، ودرسوا البدائل المختلفة وانعكاساتها على الأمن القومي الإسرائيلي ومصالح إسرائيل الاستراتيجية.
استخدمت المحاكاة منصة ذكاء اصطناعي تضم نحو خمسين وكيلًا يحاكون أطرافًا فاعلة في الواقع. واتخذ هؤلاء قرارات عبر مئات التشغيلات لكل بديل، بما في ذلك التواصل فيما بينهم والاستجابة للأزمات. وقيّمت المحاكاة كيفية تطور البدائل خلال ثلاث سنوات، أي عمليًا حتى نهاية العقد.
انطلقت المحاكاة من رفض ثنائية زائفة تهيمن على الخطاب السياسي والدولي، وتحصر الاختيار بين وهمين:
• وهم الأحادية: الضم الزاحف وخطة الحسم؛ إذ سيفضي هذا الطريق إلى واقع دولة واحدة، وفقدان الدولة طابعها اليهودي أو الديمقراطي، والعزلة الدولية والإقليمية، واستمرار الاحتكاك والإرهاب.
• وهم الاتفاق الشامل: الاعتقاد بإمكان التوصل دفعة واحدة إلى اتفاق يقوم على دولتين لشعبين، ويتضمن حلولًا عملية لجميع قضايا الخلاف الجوهرية.
الاستنتاجات الأولية للمحاكاة
1- انقسام في الرؤى داخل المجتمع الإسرائيلي
من جهة، هناك من يعتقد بإمكان هزيمة التطلعات الوطنية الفلسطينية وتوسيع السيادة الإسرائيلية لتشمل الضفة الغربية بأكملها. ويدرك مؤيدو خطة الحسم أنها ستؤدي إلى واقع دولة واحدة، وهم مستعدون لتحمل العقوبات والعزلة الدولية لتحقيق ذلك.
ومن جهة أخرى، هناك من يرى أن واقع الدولة الواحدة يعني التخلي عن الرؤية الصهيونية لدولة يهودية وديمقراطية وآمنة ومزدهرة، إلى جانب التعرض للعزلة والمقاطعة وفقدان الدعم الأمريكي.
2- استمرار إدارة الصراع مع تدهور الأوضاع
صمد بديل إدارة الصراع طوال السنوات الثلاث، لكن الأوضاع الميدانية تدهورت في الغالبية الساحقة من التشغيلات.
وتُعد إدارة الصراع الخيار الأكثر راحة لأي حكومة، لأنها لا تتطلب قرارات صعبة. لكنها أخفقت، في معظم الحالات، في منع الانزلاق إلى واقع الدولة الواحدة، وتصاعد العنف لدى الجانبين، وإضعاف السلطة الفلسطينية، وتعاظم قوة حماس.
3- تعثّر خطة الحسم مع تكريس وقائع يصعب التراجع عنها
توقفت خطة الحسم في معظم التشغيلات، ولم تُنفذ كاملة خلال السنوات الثلاث، أساسًا بسبب الضغوط الأمريكية والدولية، ورفض الفلسطينيين تقسيم أراضيهم إلى كانتونات، وفشل محاولات تشجيع الهجرة الطوعية.
لكن الخطوات الأحادية التي نُفذت، ومنها توسيع السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية وإسقاط السلطة الفلسطينية، أوجدت واقعًا يصعب تغييره حتى بعد وقف المسار.
4- الاتفاق الشامل يخدم مصالح إسرائيل البعيدة المدى، لكنه غير قابل للتحقيق حاليًا
يتطلب الاتفاق الشامل تجسير فجوات كثيرة وتجاوز عقبات متعددة. ويتوقف تنفيذه، كما توضح الورقة، على:
• اضطلاع إسرائيل بالمسؤولية الأمنية العليا غرب نهر الأردن، واحتفاظها بحرية العمل لفرض الترتيبات الأمنية.
• وجود سلطة فلسطينية فاعلة تحتكر استخدام القوة بين الفلسطينيين، وتعمل على إزالة التطرف من المجتمع الفلسطيني.
• إضعاف حماس بما يمنعها من بناء قدراتها العسكرية أو إعادة إنشاء بنيتها التحتية الإرهابية.
• دعم إقليمي ودولي يضمن التزام الفلسطينيين بتعهداتهم.
• تحقيق مكاسب إقليمية واقتصادية لإسرائيل.
5- الحاجة إلى خطة انتقالية تُبقي مفاتيح الأمن بيد إسرائيل
في الظروف الراهنة، لا يمكن تجاوز الفجوات اللازمة للتقدم نحو اتفاق شامل. ولذلك، ثمة حاجة إلى خطة انتقالية تبني شروط التسوية السياسية، مع إبقاء مفاتيح الأمن في يد إسرائيل؛ وهذه هي خطة الكيان الفلسطيني ذي السيادة المحدودة.
كما يعتمد التقدم على الاستقرار السياسي في إسرائيل والسلطة الفلسطينية. ومن المرجح أن يؤدي انهيار السلطة أو إجراء انتخابات في إسرائيل إلى وقف أي عملية سياسية.
6- بديل السيادة الفلسطينية المحدودة حقق نتائج أفضل
برز هذا البديل بوصفه المسار الوحيد، وفق النتائج الحالية، لوقف التدهور نحو واقع الدولة الواحدة. وهو يغيّر مسار الصراع، ويرسم طريقًا نحو تسوية سياسية مستقبلية، مع الحفاظ على حرية العمل العملياتي لإسرائيل ومسؤوليتها الأمنية العليا غرب نهر الأردن.
7- ارتباط المسار السياسي بمستقبل غزة
أظهرت المحاكاة ارتباطًا وثيقًا بين تنفيذ خطة الرئيس ترامب ذات النقاط العشرين لاستقرار قطاع غزة وإعادة إعماره، وبين القدرة على دفع عملية سياسية مع السلطة الفلسطينية.
ويتطلب ذلك الالتزام بنزع سلاح حماس، ونقل الإدارة المدنية للقطاع إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وتشجيع السلطة الفلسطينية على تنفيذ الإصلاحات الضرورية، تمهيدًا لتوليها مستقبلًا المسؤولية عن القطاع أيضًا.
8- لا تقدم سياسيًا من دون القضاء على الإرهاب اليهودي
يتطلب التقدم إنفاذًا حازمًا للقانون في مواجهة إرهاب المتطرفين اليهود وعنفهم، بالتوازي مع مواصلة إحباط الإرهاب الفلسطيني.
وهذه الخطوات ضرورية لتحقيق الاستقرار، وتقليل الضغوط الدولية على إسرائيل، وبناء الثقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
ويكشف تسامح الحكومة الإسرائيلية مع استمرار الإرهاب اليهودي عن قصورها وعدم استعدادها لمواجهته بحزم، مما يضعف مطالبتها بتحمل المسؤولية الأمنية العليا.
9- السلطة الفلسطينية هي الحلقة الأضعف في أي مسار تدريجي
قد يؤدي ضعف أداء السلطة، أو صراعات الخلافة داخلها، أو انهيارها، إلى تعطيل خطة السيادة المحدودة وأي تسوية سياسية، وخلق فراغ تملؤه حماس أو جهات متطرفة أخرى.
وتتمتع حماس بقدرة فعلية على تعطيل المسار إذا لم يُنزع سلاحها وتُبعد عن الحكم.
10- صعوبة الحفاظ على استمرارية العملية السياسية داخل إسرائيل
تجعل الائتلافات الهشة، والانتخابات المتكررة، وضغوط الجماعات السياسية، من الصعب دفع عملية تدريجية ومتواصلة نحو اتفاق.
ولتغيير المسار، يتعين على الحكومة الإسرائيلية المقبلة التحرك فورًا على جبهتين: القضاء على الإرهاب اليهودي، وتعزيز السلطة الفلسطينية بدلًا من الدفع نحو انهيارها.
ومن شأن هاتين الخطوتين تعزيز موقف إسرائيل المطالب بنزع سلاح الكيان الفلسطيني واحتفاظها بالمسؤولية الأمنية العليا، فضلًا عن تقليل الضغوط الدولية وحشد الدول العربية المعتدلة للمشاركة في العملية.
معايير النجاح
حقق بديل الكيان الفلسطيني ذي السيادة المحدودة نتائج أفضل وفق معايير النجاح التي اختبرتها المحاكاة، أما معايير قياس نجاح هذا البديل فكانت كالتالي:
1. الأمن: حماية المواطنين الإسرائيليين وشعورهم بالأمان.
2. الحكم الفلسطيني الفاعل: من دون حماس في مؤسساته، مع الحفاظ على الاستقرار الداخلي، والعمل الحازم لمنع الإرهاب والعنف.
3. التواصل الإقليمي والوظيفي: بما يمكّن الجيش الإسرائيلي من تقليل الاحتكاك بين السكان، مع منع نمو البنية التحتية الإرهابية في الضفة الغربية.
4. الشرعية والدعم الإقليميان والدوليان.
5. استقرار داخلي نسبي في إسرائيل.
6. القدرة على تحييد الأطراف المعطِّلة.
7. تهيئة شروط عملية سياسية: انطلاقًا من أن الانفصال إلى كيانين سياسيين متميزين هو، على المدى البعيد، السبيل الوحيد للحفاظ على الرؤية الصهيونية لدولة إسرائيل.
ومن الاستنتاجات الأساسية للورشة إمكان الانتقال بين البدائل الاستراتيجية المختلفة. فإدارة الصراع بصورة فعلية، عبر تحديد أهداف استراتيجية وتحسين الأوضاع الميدانية، يمكن أن تشكل مرحلة انتقالية نحو خطة السيادة المحدودة.
وبدورها، يمكن لهذه الخطة أن تمهّد لاتفاق شامل مستقبلًا، وتوسيع اتفاقات أبراهام، وإحداث تغيير جوهري في موقع إسرائيل الاستراتيجي.
في المقابل، وفي غياب حسم جماهيري، تتقدم خطة الحسم ميدانيًا من دون تأييد شعبي واسع في إسرائيل، بينما لا يُطْلَع الجمهور على تبعات واقع الدولة الواحدة: فقدان الدولة طابعها اليهودي والديمقراطي، والإضرار بالأمن الداخلي والخارجي، والعزلة الدولية الشديدة، وتضرر الاقتصاد، وتزايد هجرة الإسرائيليين إلى الخارج.
التعليق والتحليل
من جهة، تكشف الورشة، لا سيما إشراك الذكاء الاصطناعي في استشراف مستقبل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، عن الأدوار المهمة للذكاء الاصطناعي في معالجة احتياجات البشر والصراعات حول العالم، لا سيما الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. ومن جهة أخرى، تكشف، ربما، عن عجز العقل البشري، بعد أكثر من قرن على بدء الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، عن معالجة هذا الصراع الآخذ في التعقيد والاستعصاء على الحل عبر القوة العسكرية التي وصلت إلى حد الإبادة والتطهير العرقي، الأمر الذي يعني أن معالجة هذا الصراع تفوق قدرات البشر، وربما قدرات البشر والذكاء الاصطناعي معًا.
وعلى الرغم من ذلك، تقترح الورقة، التي هي خلاصة العقل البشري والذكاء الاصطناعي، إعادة بناء المسار السياسي، ولكن انطلاقًا من المصلحة الأمنية الإسرائيلية (وهنا تكمن نقطة استعصاء الحل)، إذ تجعل السيادة الفلسطينية المحدودة مرحلةً انتقالية نحو تسوية محتملة، من دون تقديم ضمانة بأن هذه المرحلة ستنتهي إلى دولة مستقلة. وهذه هي النقطة المركزية في قراءتها فلسطينيًا (أي العودة مرة أخرى إلى ما كان مطروحًا سابقًا إسرائيليًا، والمتمثل في الحل المرحلي طويل المدى).
المهم في هذا السياق أن الورقة تكشف عن جملة من الحقائق التي يمكن الاستفادة منها فلسطينيًا، وتتلخص في النقاط التالية:
أولًا: تشخيص مهم لفشل إدارة الصراع
تقر الورقة بأن استمرار إدارة الصراع لا يحافظ بالضرورة على الوضع القائم؛ فقد تستمر الآلية السياسية نفسها بينما تتغير الأرض والسكان وموازين القوة لمصلحة واقع الدولة الواحدة.
وبذلك، يصبح غياب القرار السياسي قرارًا ذا نتائج استراتيجية؛ فاستمرار الإدارة يتيح للضم والتفكيك الإقليمي أن يتقدما. ولهذا تحمل خاتمة الورقة تحذيرًا واضحًا من أن خطة الحسم قد تتقدم عمليًا حتى من دون إعلان رسمي أو تفويض شعبي واسع.
ومن أقوى استنتاجاتها أن وقف مشروع الضم بعد الشروع فيه لا يعيد تلقائيًا ما جرى تفكيكه، سواء تعلق الأمر بالسلطة الفلسطينية أو بالتواصل الجغرافي.
ثانيًا: خلاف إسرائيلي على وسائل حماية المشروع الصهيوني
المرجعية المعلنة للمفاضلة بين البدائل هي الحفاظ على إسرائيل يهودية وديمقراطية وآمنة ومزدهرة. ومن هذا المنطلق، تعارض الورقة الضم الشامل وتدمير السلطة، وتفضل الفصل التدريجي.
وهذا يوضح طبيعة الخلاف داخل التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي كما تعرضه الوثيقة: هل تُحمى إسرائيل عبر فرض السيادة على الأرض كلها، أم عبر فصل الفلسطينيين سياسيًا وديمغرافيًا، مع استمرار التفوق والسيطرة الأمنية الإسرائيلية؟
تفتح المقاربة الثانية مجالًا سياسيًا للفلسطينيين، لكن حجم هذا المجال وحدوده يظلان موضع نزاع.
ثالثًا: ما المقصود فعليًا بالسيادة المحدودة؟
يجمع النموذج المقترح بين توسيع القدرات المدنية الفلسطينية، والفصل الإقليمي والسياسي، وبقاء المسؤولية الأمنية العليا وحرية التدخل في يد إسرائيل. والخطر هو أن تتحول المرحلة الانتقالية إلى صيغة دائمة: إدارة فلسطينية للسكان مع استمرار السيطرة الإسرائيلية على شروط السيادة. أما إمكان تحولها إلى جسر للاستقلال، فيتوقف على التزامات لا تفصّلها الورقة.
رابعًا: حتى الاتفاق الشامل محكوم بشروط أمنية إسرائيلية واسعة
اللافت أن الورقة تشترط المسؤولية الأمنية الإسرائيلية العليا غرب نهر الأردن حتى في حديثها عن الاتفاق الشامل. لكنها لا توضح مدة هذه المسؤولية، وحدودها، وآليات مراجعتها أو إنهائها.
ويضع ذلك سؤالًا جوهريًا أمام الطرف الفلسطيني: ما الفارق المؤسسي والقانوني بين الكيان محدود السيادة والدولة التي يُفترض أن تنتج عن الاتفاق الشامل، إذا بقيت الصلاحيات الأمنية الأساسية نفسها بيد إسرائيل؟
خامسًا: تعزيز السلطة لا يكفي من دون تعزيز شرعيتها
تتعامل الورقة مع السلطة الفلسطينية باعتبارها مؤسسة ضرورية لمنع الفراغ وصعود حماس، وتربط تقويتها بالأداء الأمني والإداري.
لكن الفاعلية المؤسسية وحدها لا تنتج شرعية وطنية. فاستدامة السلطة تتطلب أيضًا قدرة على حماية الفلسطينيين، وتمثيلهم، وتحقيق تقدم ملموس نحو حقوقهم السياسية.
وهنا تظهر معضلة عملية: كلما زادت المطالب الأمنية من السلطة، من دون مكاسب سياسية تحظى بقبول فلسطيني، ازدادت صعوبة بناء المؤسسة القادرة والمستقرة التي تحتاجها الخطة نفسها.
سادسًا: ربط الضفة وغزة مهم، لكنه مشروط
تحتفظ الورقة بإمكان عودة السلطة إلى غزة، وتربط المسار السياسي في الضفة بترتيبات القطاع. وهذه نقطة تستحق الانتباه لأنها لا تقدم مستقبل المنطقتين بوصفهما مسارين منفصلين تمامًا.
لكن الوحدة السياسية تُطرح نتيجةً مؤجلةً لاستيفاء شروط أمنية وإصلاحية، ولا تعرض الورقة ضمانة لمنع تكريس الانفصال خلال المرحلة الانتقالية. ولذلك، تصبح وحدة المؤسسات والمرجعية الوطنية مسألة ينبغي تثبيتها منذ البداية.
سابعًا: الاعتراف بالإرهاب اليهودي يحمل دلالة سياسية
لا تكتفي الورقة بوصف عنف المتطرفين اليهود مشكلةً أمنية، بل تربطه بأهلية إسرائيل للمطالبة بالمسؤولية الأمنية العليا.
وهنا يمكن استخلاص حجة فلسطينية مهمة: أي جهة تطالب باحتكار المسؤولية الأمنية تُسأل عن قدرتها واستعدادها لحماية جميع السكان الخاضعين لسيطرتها. ويتيح هذا الربط مساءلة الترتيبات المقترحة بمعيار حماية الفلسطينيين أيضًا، لا بمعيار أمن الإسرائيليين وحده.
ثامنًا: نتائج الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى قراءة منهجية حذرة
تقدم المحاكاة أداة لاستكشاف السيناريوهات، لكنها لا تجعل البديل المفضل حقيقة علمية مؤكدة. فالوكلاء يستجيبون وفق المعلومات والتعليمات والقيود التي بُنيت عليها المنصة.
ومن المآخذ على الورقة أنها، فيما انطلقت من المصالح الأمنية الإسرائيلية، غابت عن نصها المصالح الفلسطينية، الأمر الذي يمكن تلخيصه في النقاط التالية:
• كيفية تمثيل المصالح والقرارات الفلسطينية.
• النماذج المستخدمة ومدى اختبار سلوكها.
• الأوزان المعطاة لمعايير النجاح.
• النسب التفصيلية لنجاح كل بديل أو فشله.
• مدى تغير النتائج عند تغيير الافتراضات الأساسية.
كما أن معايير التقييم تتمحور أساسًا حول الأمن والمصالح الإسرائيلية، ولا يظهر بينها معيار مستقل لحق الفلسطينيين في تقرير المصير، أو إنهاء الاحتلال، أو حصولهم على دولة مستقلة، أو حماية حقوقهم ومساواتهم.
ولذلك، فإن عبارة «حقق نتائج أفضل» تعني تفوقًا داخل تصميم هذه المحاكاة ومعاييرها، ولا تكفي وحدها لإثبات قابلية الخطة للتنفيذ أو قبولها فلسطينيًا. كذلك، قد تمنح مدة السنوات الثلاث أفضلية للمسارات التدريجية مقارنة باتفاق شامل يحتاج إلى زمن أطول؛ وهذه إمكانية منهجية تستحق الفحص.
في الختام، من المشروع القول إن الورقة توفر حجة إسرائيلية ضد الضم، وتدمير السلطة، واستمرار إدارة الصراع بصيغتها المتدهورة. لكن الاستفادة السياسية منها تقتضي ربط أي مرحلة انتقالية بوقف الاستيطان، ووحدة الضفة وغزة، وحماية السكان، ومرجعية واضحة للاستقلال، وضمانات تنفيذ وجدول زمني. فمن دون ذلك، تظل السيادة المحدودة معرضة لأن تصبح سقفًا دائمًا للطموح الفلسطيني.
وربما من المشروع كذلك التساؤل: ألا يجدر بالفلسطينيين، لا سيما وقد بدأوا حوارهم الوطني بعد قرارهم تأجيل الانتخابات العامة، أن يستشرفوا المستقبل ليختاروا ما هو أكثر تعبيرًا وتجسيدًا لمصالح شعبهم، بدلًا من ترك هذه المهمة للمحتل الإسرائيلي؟


