من حمار أبي سمير إلى نوبل للسلام: حكاية نافي بيلاي والعدالة المؤجلة .. جمال زقوت

الإثنين 19 أكتوبر 2026 10:21 م / بتوقيت القدس +2GMT
من حمار أبي سمير إلى نوبل للسلام: حكاية نافي بيلاي والعدالة المؤجلة .. جمال زقوت



من بيت صبري غريب "أبو سمير" في بيت إجزا إلى جائزة نوبل للسلام: حكاية تختصر الصراع بين قوة الاحتلال وحق الإنسان في أرضه، وبين منطق القوة ومسؤولية القانون الدولي.

يشكّل فوز القاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بجائزة نوبل للسلام لعام 2026 حدثًا يتجاوز تكريم مسيرتها الحقوقية والقضائية الطويلة. فهو يحمل رسالة سياسية وأخلاقية في لحظة تتعرض فيها منظومة القانون الدولي لضغوط غير مسبوقة، وتتسع فيها الفجوة بين المبادئ التي تأسس عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، وعجزه عن حماية الشعوب من الحروب والاحتلال والجرائم الجماعية.

وقد منحتها لجنة نوبل الجائزة تقديرًا لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي، ولدورها في تطوير منظومة العدالة الدولية ومساءلة المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية. وتكتسب الجائزة أهمية إضافية بالنظر إلى مسيرتها في مواجهة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وعملها قاضية في محاكم دولية، وشغلها منصب المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ثم رئاستها لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وإسرائيل، بين عامي 2021 و2025.

لكن الدلالة الأهم لهذه الجائزة لا تكمن في سيرة شخصية استثنائية وحدها، بل في السؤال الذي تطرحه على العالم: ما قيمة القانون الدولي إذا ظل تطبيقه خاضعًا لموازين القوة؟ وما معنى السلام إذا لم يقترن بالعدالة ومساءلة من ينتهكون حقوق الإنسان؟

من مقاومة الفصل العنصري إلى فلسطين

تكتسب تجربة نافي بيلاي معناها من ارتباطها التاريخي بالنضال ضد الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. فقد عرفت، بحكم نشأتها في ظل ذلك النظام، كيف تتحول القوانين والمؤسسات إلى أدوات للتمييز والإقصاء حين تُجرّد من مضمونها الإنساني. ثم أسهمت، عبر عملها القضائي الدولي، في ترسيخ مبادئ للمساءلة عن الجرائم الدولية، بما في ذلك الاعتراف بالاغتصاب والعنف الجنسي باعتبارهما من الأفعال التي قد تشكل جزءًا من جريمة الإبادة الجماعية، وفق شروطها القانونية.

وفي الحالة الفلسطينية، اكتسب عملها بعدًا خاصًا من خلال رئاستها لجنة التحقيق الدولية التي خلصت في تقريرها الصادر عام 2025 إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في قطاع غزة. واستند التقرير إلى تقييم الأدلة والوقائع، بما فيها حجم القتل والتجويع وتدمير البنية الصحية، وتصريحات مسؤولين إسرائيليين.

في هذا السياق، تبدو الجائزة تأكيدًا على أن الدفاع عن حقوق الفلسطينيين ليس قضية هامشية أو استثناءً من قواعد القانون الدولي، بل اختبار لمدى عالمية هذه القواعد. فإذا كانت العدالة الدولية تستحق الدفاع عنها عندما يتعلق الأمر بضحايا في مكان ما، فإنها تستحق الدفاع عنها أيضًا عندما يكون الضحايا فلسطينيين، مهما كانت هوية الجهة المتهمة أو وزنها السياسي والعسكري.

 حين تختصر حكاية عائلة مأساة شعب

لا ترتبط نافي بيلاي بهذه المبادئ من خلال موقعها الدولي وحده. فقد رافقت رئيس الوزراء الأسبق سلام فياض إلى بيت المواطن الفلسطيني صبري غريب، المعروف بأبي سمير، في بلدة بيت إجزا شمال غربي القدس، خلال زيارتها إلى الأرض الفلسطينية المحتلة في فبراير/شباط 2011، حينها كنت أعمل مع رئيس الوزراء ، حيث كلّفني بترتيبات الزيارة.

كانت الزيارة إلى منزل فلسطيني تحاصره بوابة مستوطنة تفصل أصحابه عن محيطهم، في مشهد يلخص كيف يمكن للاحتلال أن يحوّل حياة الإنسان اليومية إلى معركة متواصلة من أجل البقاء. لم يكن البيت مجرد مسكن لعائلة فلسطينية، بل كان شاهدًا حيًا على سياسة تستهدف الأرض وأصحابها، وتفرض عليهم قيودًا تجعل أبسط تفاصيل الحياة عبئًا استثنائيًا.

البقاء مقاومة

سبق الزيارةَ، كما أي زيارة ميدانية أخرى، الوقوفُ على احتياجات الأسرة أو التجمع السكاني، في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز صمودها ومساعدتها على مواجهة الضغوط والإغراءات التي استهدفت دفعها إلى التخلي عن بيتها وأرضها مقابل مبالغ مالية ضخمة قُدّرت بملايين الدولارات. كان ذلك جزءًا من استراتيجية تستهدف دعم قدرة الفلسطينيين على البقاء فوق أرضهم.

لم تكن هذه الزيارة سوى واحدة من مبادرات أوسع لتعزيز الصمود، انطلاقًا من قناعة بأن البقاء على الأرض، في مواجهة سياسات الاقتلاع، يشكّل أحد الأشكال الجوهرية لمقاومة مشاريع التهجير والتطهير العرقي. وفي هذا الإطار، نُفّذ أكثر من ثلاثة آلاف مشروع صغير ومتوسط في المناطق المهمشة والمتضررة من المشروع الاستيطاني، والمهددة بالمزيد منه، بما فيها المناطق المصنفة "ج" ، وتلك الواقعة خلف الجدار، والتي بلغت قيمتها الإجمالية، خلال نحو ست سنوات، حوالي ملياري دولار.

ولعل أكثر من أدرك خطورة هذه الاستراتيجية على المشروع الاستيطاني الصهيوني العنصري كان بتسلئيل سموتريتش، أحد مؤسسي جمعية «ريغافيم» الاستيطانية. فقد ركزت الجمعية، وفقًا لتقاريرها السنوية المنشورة على موقعها الإلكتروني، جهودها على مواجهة ما عُرف بـ"خطة فياض"، التي أُطلقت عام 2009 بهدف بناء مؤسسات الدولة وإنهاء الاحتلال، من خلال تطوير البنية التحتية، وتوسيع الحضور الفلسطيني على الأرض، وتقليص التبعية الاقتصادية لإسرائيل.

وفي المقابل، صوّرت أوساط استيطانية هذه الجهود بوصفها محاولة فلسطينية لفرض وقائع على الأرض والسيطرة على المنطقة "ج". وكرّست "ريغافيم" نشاطها لمواجهة ما أفرزته الخطة من وقائع تنموية ومؤسسية، مستخدمة مختلف الوسائل العنصرية لاستهداف المنشآت الفلسطينية وهدمها بذريعة عدم حصولها على التراخيص الإسرائيلية. وقد تفاخر سموتريتش بالسياسات الرامية إلى الحد من الوجود الفلسطيني، متوعدًا بتوسيعها لتشمل الجليل والنقب. واللافت أن الأحزاب الإسرائيلية تتبارى في حملاتها الانتخابية اليوم في تمجيد مواقفها الرافضة لقيام دولة فلسطينية، وتتباهى بمدى انخراطها في إفشال خطة فياض التي استهدفت تهيئة مقومات قيامها.

حمار العون على الصمود  

لكن المفارقة الأكثر رسوخًا في ذاكرتي لم تكن في هذا الصراع السياسي، بل في طلب ابن أبي سمير. فلم يطلب منزلًا بديلًا، ولا تعويضًا ماليًا، ولا مشروعًا كبيرًا. كان طلبه بسيطًا وموجعًا: حمار يساعد الأسرة على نقل احتياجاتها وحرث أرضها، بعدما حُرمت من إدخال سيارة أو جرار زراعي إلى المكان.

لم يكن هذا الطلب تفصيلًا عابرًا، بل اختزل المسافة بين الخطاب الدولي عن حقوق الإنسان والواقع الذي يعيشه الفلسطيني تحت الاحتلال. ففي الوقت الذي تنشغل فيه المؤسسات الدولية بصياغة القرارات والتقارير، كان هناك إنسان لا يطلب أكثر من وسيلة بسيطة تعينه على مواصلة حياته فوق أرضه.

كانت الزيارة، في جوهرها، محاولة لنقل هذه المعاناة من حدود البيت المحاصر إلى جدول أعمال المجتمع الدولي، وتأكيدًا أن حماية الفلسطينيين ليست مسؤولية أصحاب الأرض وحدهم. فالدول الأطراف في اتفاقيات جنيف لعام 1949 تتحمل التزامات قانونية، من بينها احترام هذه الاتفاقيات وضمان احترامها. ولا يجوز أن تتحول العلاقات السياسية والاقتصادية مع إسرائيل إلى غطاء يكرّس ممارسات الاحتلال أو يتيح استمرار الإفلات من العقاب.

إن استحضار هذه التجربة اليوم، في ضوء فوز نافي بيلاي بجائزة نوبل للسلام، ليس مجرد استعادة لذكرى أو حدث عابر، بل تذكير بأن قيمة القانون الدولي تُقاس بقدرته على حماية الإنسان في حياته الفعلية، لا بسلامة نصوصه وحدها. وفي هذا السياق، تتمثل إحدى أهم معارك المرحلة الراهنة في استعادة القدرة الفلسطينية على عزل إسرائيل دوليًا، بالتوازي مع تعزيز قدرة الفلسطينيين على البقاء والصمود على أرضهم.

هل تنتصر العدالة لصوت الضحايا

هنا تتجلى خطورة اللحظة الفلسطينية الراهنة. فالمسألة لا تقتصر على حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون، على فداحتها، بل تمتد إلى الاختبار الذي تضعه هذه المأساة أمام العالم: هل ما زالت هناك حدود قانونية وأخلاقية لا يجوز للقوة تجاوزها؟ وهل يستطيع المجتمع الدولي منع تحوّل الاحتلال والاستيطان والتهجير والتدمير الواسع إلى وقائع دائمة تُفرض على الأرض، ثم يُطلب من الضحايا التكيّف معها باعتبارها أمرًا واقعًا؟ أم أن العالم يتجه نحو مرحلة يُستبدل فيها القانون بمنطق الغلبة، وتصبح فيها قدرة الدولة على استخدام القوة هي المعيار الذي يحدد ما يجوز وما لا يجوز؟

إن هذا السؤال هو ما يمنح نضال نافي بيلاي من أجل العدالة الدولية دلالته الأعمق. فهي تمثل، في هذا السياق، الإصرار على أن القانون ليس امتيازًا تمنحه الدول القوية لمن تشاء، وأن حماية الإنسان لا تتجزأ تبعًا لهويته أو جنسيته أو موقعه في موازين القوى. غير أن الانتصار لهذه المبادئ لا يتحقق بتكريم أصحابها وحده، مهما كانت قيمة التكريم، بل بتحويلها إلى التزامات عملية، وبحماية استقلال القضاء الدولي، واحترام قراراته، ومحاسبة مرتكبي الجرائم، ووقف السياسات التي تجعل استمرار المأساة ممكنًا.

لقد أصبحت فلسطين، بما يجري على أرضها وبما تكشفه محنتها من تناقضات النظام الدولي، اختبارًا لمصداقية العدالة الإنسانية والقيم الأخلاقية التي يدّعي العالم التمسك بها. ففيها لا يُمتحن الفلسطينيون وحدهم، بل يُمتحن معنى القانون الدولي نفسه، ومدى استعداد الدول للدفاع عن المبادئ التي أقرتها عندما تتعارض مع مصالحها السياسية أو تحالفاتها.

فهل ينتصر العالم لمنطق العدالة، أم يستمرئ قانون الغاب ويترك القوة تقرر مصائر الشعوب؟ لا تكمن الإجابة في الشعارات ولا في الجوائز، بل في القدرة على وقف الجرائم، وحماية الشعب الفلسطيني، وإنهاء الاحتلال، وصون حقه في الحرية وتقرير المصير. تلك هي المسافة بين الاعتراف الرمزي بالعدالة والانتصار الفعلي لها؛ وهي أيضًا المسافة التي يتحدد عندها ما إذا كانت البشرية قد تعلمت شيئًا من تاريخها، أم أنها تتركه يتكرر أمام أعينها، بأدوات جديدة وبالضحايا أنفسهم.

العدالة التي لا تكتمل إلا بالفعل

ثمة ثلاث دلالات أساسية لهذا الفوز.

أولًا، إن العدالة ليست نقيضًا للسلام، بل شرط له. فالسلام الذي يتجاهل الاحتلال والحرمان من الحقوق، أو يطالب الضحية بالتنازل عنها مقابل وقف العنف، ليس سوى تأجيل لأسباب الصراع. ولا يمكن أن يستقر سلام في المنطقة من دون إنهاء الاحتلال، وتحقيق حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة، وضمان حقوق اللاجئين وفق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.

ثانيًا، إن استهداف المؤسسات القضائية الدولية والضغط على العاملين فيها لا يقتصر أثره على قضية بعينها. فعندما تُعاقَب مؤسسة لأنها تحاول مساءلة الأقوياء، أو يُشهَّر بقاضٍ لأنه يتمسك باستقلاله، يصبح الخطر موجهًا إلى فكرة العدالة نفسها. وقد عبّرت لجنة نوبل عن أهمية الدفاع عن سيادة القانون في مواجهة تغليب القوة على الحق، في وقت تتعرض فيه منظومة القانون الدولي ومؤسساتها لضغوط متزايدة.

ثالثًا، إن الاعتراف الدولي بالشخصيات التي تدافع عن العدالة يمنح الأمل، لكنه لا يعفي الدول والمجتمعات من واجباتها. فالجائزة ليست حكمًا قضائيًا، ولا آلية لتنفيذ القرارات الدولية، ولا بديلًا من تحرك سياسي يضع حدًا للانتهاكات. وتظل قيمتها الحقيقية مرتبطة بقدرتها على الإسهام في تحويل المبادئ إلى سياسات ومساءلة فعلية.

بالنسبة إلى الفلسطينيين، الذين عايشوا طويلًا الفجوة بين القرارات الدولية وواقع الاحتلال، فإن التحدي ليس الاحتفاء بالجائزة وحده، بل الاستفادة من دلالاتها في تعزيز حضور القضية الفلسطينية باعتبارها قضية تحرر وطني وحقوق إنسان وقانون دولي. ويتطلب ذلك عملًا فلسطينيًا منظمًا، ومبادرات قانونية وسياسية مستمرة، وتحالفات دولية تتجاوز بيانات التضامن إلى الضغط العملي من أجل إنهاء الاحتلال ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم.

لقد علّمتنا زيارة بيت أبي سمير أن الصمود ليس شعارًا سياسيًا، بل حياة يومية يتمسك بها الإنسان حين يُحاصر بيته، وتُقيَّد حركته، وتُعرض عليه الأموال كي يرحل. كما علّمتنا أن مهمة السياسة ليست الاكتفاء بتوثيق المأساة، بل تحويلها إلى قضية عامة تفرض على العالم مواجهة مسؤولياته.

لهذا، فإن فوز نافي بيلاي بجائزة نوبل للسلام مناسبة لاستعادة ذلك المشهد: بيت محاصر، وأسرة تتمسك بأرضها، وابن لا يطلب سوى حمار يساعده على مواصلة الحياة.

بين ذلك الطلب البسيط والجائزة الدولية مسافة تختصر جوهر القضية الفلسطينية: شعب يريد أن يعيش بحرية وكرامة على أرضه، وعالم مطالب بأن يثبت أن القانون الذي وضعه لحماية الإنسان يسري على الجميع، لا على الضعفاء وحدهم.

رحل "أبو سمير" عن عالمنا في بيته الصامد في بيت إجزا في العشرين من أبريل/ نيسان 2012، ولكنّ روحه الوثابة تبقى خالدة. وتظل حكايته في التحدي والصمود درسًا ونبراسًا للأجيال المنغرسة كأشجار الزيتون في بلادنا، كما لكل أحرار العالم.