بقليل من الموضوعية، يستطيع أي متابع أن يتأكد بأن أكثر المهتمين بالانتخابات الفلسطينية الموعودة هم الفصائل والشخصيات التي تعارض اتفاقية أوسلو، وبالتالي تعارض السلطة كمشروع سياسي وليس كشكل إدارة أو برامج حكومية أو أفراد يشغلون مناصب في هذه السلطة ووجب تغييرهم.
فما أن تم الإعلان عن تحديد موعد لهذه الانتخابات حتى تسابق الجميع إلى حوارات فصائلية ثنائية، وإعلانات عن نوايا بتشكيل أحلاف، نتج عنها تشكيل قوائم أو على الأقل الحديث عن قوائم جاهزة وأخرى في طور التشكّل لخوض هذه الانتخابات.
فجأة، نسي الجميع كل ما يتعلق بالحرب، ونسي الجميع كل ما يتعلق بالخطاب السابق حول أوسلو ككارثة سياسية حيناً، وكمشروع بلا أفق حيناً آخر، وصولاً إلى اعتباره خيانة وطنية عند بعض الفصائل الراديكالية والإسلامية، وبدأ الحديث عن استطلاعات الرأي، وعن تحشيد القواعد الشعبية لكل فصيل، وكأننا أمام استحقاق وطني لا خلاف على مشروعيته ولا على الإطار السياسي الذي ينظّمه.
ردود الفعل على تأجيل الانتخابات لم تخرج عن هذا السياق أيضاً، بل إن اللافت هو أن التوافق على تأجيلها تم مع فصائل تدين أوسلو، ومن وقّعوه، كاتفاق حجّم المشروع الوطني أو جمّده في أبسط الأحوال، أو اتفاق ألغى الطموح الفلسطيني تماماً بالتحرر من نير الاحتلال واستبدل هذا المشروع بحكم ذاتي هزيل لا يمكنه أن يزيد على ذلك.
لكن جرب الآن أن تقترح على قائد في هذه الفصائل أن يضمّن برنامجه السياسي لخوض هذه الانتخابات بنداً يتحدث عن خيانية أوسلو، أو دعوة في هذا البرنامج للتنصل من أوسلو أو تجاوزه أو إلغائه، وسوف تسمع كلاماً إنشائياً بلا أدوات أو رؤية حقيقية، وبالتأكيد بلا بدائل مقنعة.
ثم جرّب أن تقول لهذا القائد أو غيره، في محاولة لتذكيره فقط، إنك تخوض انتخابات صممها اتفاق أوسلو، وسوف تنتج هذه الانتخابات، بمشاركتك طبعاً، مجلساً تشريعياً هو أبرز الآليات السياسية للاتفاق الذي قضيت عمرك تعارضه وتشتمه، وسوف تكون مضطراً لتشريع قوانين ومناقشة تعليمات وأنظمة قانونية وسياسية، صادرة عن حكومة هي أحد منتجات الاتفاق، الخ الخ، وسوف تسمع إجابة لن ترضيك أبداً.
بكل تأكيد، لا أقصد أن من يعارضون السلطة ويخوّنونها لا يحق لهم خوض الانتخابات المنبثقة عنها وعن اتفاقياتها والتزاماتها الدولية، كما لا أقصد هنا المفاضلة بين هذه السلطة والفصائل التي تعارضها، سواء من حيث التاريخ الوطني أو البرامج السياسية، فهذا ليس موضوعنا الآن. ما أريد التطرق له هو المصداقية التي ينبغي أن تحكم أي نشاط سياسي أو غير سياسي، والقدرة على مصارحة الجمهور بالحقيقة، وعدم إشباعه بالشعارات الكاذبة، أو بيعه وطنيات لا تصمد عند أول امتحان أو سؤال.
على هذه الفصائل أولاً أن تقول لجمهورها بوضوح، لماذا تشارك في انتخابات وهي تعارض مرجعيتها السياسية. وهنا لا تكفي المزايدات الدينية التي حكمت مشاركة «حماس» في انتخابات 2006 مثلاً، حيث إن ذاكرة الناس من المفترض أنها غير قصيرة، وما زالوا يتذكرون تحريم المشاركة في انتخابات 1996 وتحليلها في 2006، دون أي مبرر سياسي مقنع يحترم عقل الناخب ويشرح له الفرق بين الجولتين الانتخابيتين.
أعني، لا نريد تحليلات وتحريمات دينية، كما لا نريد شعارات أيديولوجية لا تستخدم لغة الحلال والحرام، لكنها تتذاكى علينا بلغة تغيير الظروف، دون أن تشرح لنا لماذا وجودها في الظروف الحالية سيفرق. هل تريد هذه القوائم المعارضة للسلطة تغيير السلطة من داخل مؤسساتها، أم تريد إصلاحها فقط، أم أن الأمر لا يتجاوز الرغبة في الحصول على مقاعد ومواقع تمنحها حضوراً سياسياً أكبر؟ وإن كانت تعلن صراحة أنها ضد أوسلو، فكيف سيكون الإصلاح ضمن آليات أوسلو.
باختصار شديد، إن كنت ترفض أوسلو كاتفاق أنتج لك سلطة ومجلس تشريعي وانتخابات، فعليك أن تقنعنا ما الذي يدفعك لإصلاح أو إجراء تغييرات على ما ترفضه أصلاً؟ هل هي مهمة مرحلية تعتقد أنها ضرورية على طريق تجاوز هذا الاتفاق؟ وإن كانت كذلك فيا ليتك تشير لنا ولو من بعيد إلى الهدف النهائي الذي تبتغيه وإلى خطوات وصولك إليه. وهذا مهم جداً لسبب أن أولى خطواتك هي الفوز بانتخابات مطلوب منا أن نشارك فيها وننتخبك أنت لأنك مختلف. أعني، لأن لديك ما هو مختلف عن أوسلو، إلا إن كان ذلك سرّاً قومياً لا يجوز أن نطلع عليه في هذه المرحلة.
أما ثانياً، فمطلوب من هذه الفصائل، والنُخب السياسية أيضاً، أن تكف عن التعامل مع السلطة بمنطق التجزئة والانتقائية. وقبل الخوض في هذه النقطة لا بد من التأكيد أننا نتحدث عن السلطة وليس عن الحكومة، أي عن النظام السياسي الناتج عن اتفاقية السلام، والذي يتعرض للرفض والتخوين بصفته هذه، وليس لأسباب تقصير أو فساد في إداراته الحكومية.
لا يستطيع أحد أن يدين شخصاً أو فصيلاً يشتم الحكومة ليل نهار ثم يشارك في مؤسساتها، هذا هو الطبيعي لأن الحكومة ليست ملكاً لمن يشكلونها، وليست حكراً على الحزب الذي فاز بأكبر كتلة برلمانية وبالتالي احتكرها هي ووزاراتها. أما التعامل مع السلطة كنظام سياسي فمختلف تماماً، إذ من المستغرب أن تقوم بتخوين هذا النظام وتعتبره أداة أمنية إسرائيلية، وفي نفس الوقت تطالبه بتمويل مشروعك مثلاً، أو تقبل منه جائزة ثقافية، أو تحتج على إدارته للقطاع الصحي أو التعليمي.
هذا التناقض يجب أن ينتهي إلى غير رجعة، لأنه هو بالذات ما صنع هذا الفصام السياسي الذي نعيشه. فإما أنت مع السلطة وتريد إصلاح إدارتها بمشاركتك في الانتخابات، وهذا حق لك، وإما أنت خارج كل هذه الاتفاقيات الخيانية والسلطة الناتجة عنها ولديك بديلك الذي تراه أجدى للفلسطينيين ومستقبلهم ثم تسعى لتحقيقه. أما أن تكون المعادلة هي سلطة خائنة لكنني مختلف وأستطيع إدارة هذه السلطة بطريقة لا تبدو فيها خائنة، فهذه معادلة معيبة وبحاجة لتوضيح فوري، وإن لم يكن داخل البرامج الانتخابية فأين يمكن أن يكون.


