بدأ نموذج التسوق عبر البث المباشر يُعيد تشكيل قطاع التجارة الإلكترونية في الولايات المتحدة، بعدما أثبت فاعليته في أسواق آسيوية، وخاصة الصين التي تصدرت هذا المجال.
وفقًا لتقديرات شركة أبحاث السوق "إي ماركتر"، يتوقع أن تقترب مبيعات قطاع التسوق المباشر في أمريكا من 20 مليار دولار خلال العام الحالي 2026، بمعدل نمو سنوي يبلغ نحو 35%، مع استمرار اكتساب هذا النموذج قبولًا متزايدًا بين المستهلكين الأصغر سنًا.
تعتمد منصات مثل "تيك توك" و"وات نوت" على نموذج يجمع بين وسائل التواصل الاجتماعي والتسوق المباشر، حيث يتمكن المشاهدون من متابعة عروض المنتجات والتفاعل معها والشراء في الوقت الفعلي. وبحسب شركة "تيك توك"، ارتفعت مبيعات البث المباشر بأكثر من الضعف خلال النصف الأول من 2026 مقارنة بالفترة ذاتها من 2025، مع زيادة عدد جلسات التسوق المباشر بنسبة 60% وارتفاع ساعات البث الكلية بأكثر من 80%.
أعادت شركة "كيو في سي" الشهيرة بنموذج البيع المباشر التقليدي، إحياء مفهومها من خلال البث على منصة "تيك توك" بأكثر من 200 ساعة أسبوعيًا عبر سبع قنوات، مركزة على الأنشطة الرقمية بعد خروجها الحديث من الإفلاس. وأوضح باتريك نومينسن، رئيس المبادرات الاستراتيجية في "متجر تيك توك"، أن الشركة "أثبتت أنها تاجر بالغ النجاح على المنصة".
تقدم شركة "وات نوت"، التي تأسست عام 2019، نموذجًا يركز على المزادات المباشرة، حيث يمكن للمشاهدين المزايدة على المنتجات فورًا. وتضاعف تقييم الشركة منذ أكتوبر الماضي، كما احتلت المرتبة الثامنة في قائمة "سي إن بي سي ديسربتور 50" للشركات الناشئة الأكثر وعودًا. وأفادت الشركة بأن مبيعاتها العالمية للعام الماضي بلغت 8 مليارات دولار، مع تركيز غالبيتها على السوق الأمريكية.
غير أن هذه المنصات الناشئة تختلف جوهريًا عن منصات التجارة الإلكترونية التقليدية مثل "أمازون" و"وول مارت" و"إيباي". فبينما تقدم هذه الأخيرة خدمات بث مباشر، إلا أن الفيديو لا يمثل محورًا أساسيًا في نموذج عملها، على عكس منصات التواصل الاجتماعي التي بنت نموذجها كليًا على اكتشاف المحتوى والفيديو.
ومع ذلك، تواجه هذه المنصات تحديات متعددة، من بينها التعامل مع المنتجات المقلدة والمسروقة، وارتفاع تكاليف التشغيل. فتحتسب "وات نوت" عمولة تتراوح بين 4% و8% من المبيعات حسب نوع المنتج، بينما تحصل "تيك توك" على 6% إضافة لرسوم معالجة المدفوعات.
وفي المقابل، يشهد السوق الصيني نموًا أسرع بكثير. فمنذ إطلاق "على بابا" لمنصة "تاوباو لايف" عام 2016، تجاوز حجم سوق البث المباشر في الصين 50 مليار دولار في غضون خمس سنوات، مع توقعات بأن يتخطى 1.1 تريليون دولار عام 2026. وأصبح هذا النموذج مدمجًا في "التطبيقات الفائقة" الصينية مثل "وي تشات" و"كوين"، التي تجمع بين خصائص متعددة تشمل التواصل الاجتماعي والمراسلة والذكاء الاصطناعي.
يعود الفرق بين السوقين إلى اختلاف السلوك الاستهلاكي. فبينما ينظر المستهلكون الصينيون للبث المباشر كمصدر للترفيه والتفاعل والإلهام ضمن تجربة رقمية شاملة، لا يزال الأمريكيون يعتمدون بشكل أكبر على المتاجر الفيزيائية لتحقيق هذه الأدوار، على الرغم من بدء تغيير هذا الاتجاه.
ويرى محللون أن التسوق عبر البث المباشر يسد فجوة حقيقية بين التجارة الإلكترونية والتجزئة التقليدية، فبينما لا يتمكن المشتري من لمس المنتج عبر الإنترنت، يمكنه الاستماع لآراء المشاهدين الآخرين والبائع فورًا، مما يخفف من قلق الشراء الإلكتروني. غير أن التحدي الأكبر الذي تواجهه هذه المنصات يكمن في جذب انتباه المشاهدين وسط منافسة متزايدة وخوارزميات معقدة تحدد من سيشاهد المحتوى.
اقرأ أيضًا:


