كشفت مصادر إعلامية وتصريحات رسمية تفاصيل العملية الأمنية المعقدة التي نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في منطقة الكتيبة غربي مدينة غزة، والتي انتهت باختطاف الضابط في جهاز الأمن الداخلي معين العرابيد. العملية التي جرت صباح الثلاثاء لم تكن مجرد مداهمة عابرة، بل سبقتها أسابيع من التعقب الدقيق لموقع العرابيد قبل اتخاذ قرار نهائي بالعدول عن تصفيته جوياً.
وأكدت وزارة الداخلية في قطاع غزة أن قوة إسرائيلية خاصة تسللت بمركبات مدنية تحت غطاء وابل كثيف من الغارات الجوية التي شاركت فيها عشرات الطائرات الحربية. وأسفر الاشتباك الذي وقع أثناء تأدية العرابيد لمهامه عن إصابته واختطافه، فيما استشهدت زوجته وأصيب عدد من أفراد أسرته بجروح متفاوتة خلال الهجوم المباغت.
وتضاربت الروايات حول الصفة التنظيمية للعرابيد؛ فبينما شددت وزارة الداخلية في غزة على أنه ضابط يؤدي مهامه المعتادة في جهاز الأمن الداخلي، ادعى جيش الاحتلال وجهاز 'الشاباك' أنه يترأس الجهاز التابع لحركة حماس. هذا التباين يعكس الأهمية الاستخباراتية التي يوليها الاحتلال لهذه الشخصية التي كانت تحت المجهر لعدة أشهر.
ووفقاً لمصادر عبرية، فإن التخطيط للعملية بدأ منذ وقت طويل بإشراف مباشر من مقر العمليات الخاصة في 'الشاباك'. وأشارت التقارير إلى أن إسرائيل كانت قادرة على اغتيال العرابيد من الجو، إلا أن الرغبة في الحصول على كنز معلوماتي دفعت القيادة الجنوبية لاتخاذ قرار الاختطاف البري رغم المخاطر الميدانية العالية.
المحلل العسكري عاموس هارئيل أوضح أن العرابيد كان يقود مجموعة أمنية متخصصة في كشف وتحديد العملاء والجواسيس الذين يعملون لصالح إسرائيل داخل القطاع. ويرى الاحتلال أن استجوابه وهو حي قد يؤدي إلى كشف حجم المعلومات التي تمتلكها المقاومة حول شبكات التجسس الإسرائيلية وطرق إدارتها وتجنيدها.
وفي تطور لافت، كشفت مصادر صحفية عن مشاركة ميليشيات فلسطينية مدعومة من إسرائيل في تنفيذ هذه العملية السرية. وأشارت التقارير إلى أن هذه المجموعات المناهضة لحماس تعمل بتنسيق مباشر مع القوات الإسرائيلية، وقد ساهمت بشكل فعال في الوصول إلى الهدف داخل منطقة مكتظة بالنازحين والمنشآت الحيوية.
وتشير المعلومات إلى أن رئيس جهاز 'الشاباك' السابق، رونين بار، هو من وضع اللبنات الأولى لخطة دعم هذه الميليشيات المحلية داخل غزة. ورغم الانتقادات الداخلية في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، إلا أن هذه المجموعات نفذت خلال العام الأخير عمليات ألحقت أضراراً مباشرة بالقدرات الأمنية والعسكرية في القطاع.
منطقة الكتيبة التي شهدت العملية تُعد من أكثر المناطق ازدحاماً بالنازحين، حيث تضم مرافق صحية وجامعات وخياماً لآلاف العائلات. وقد أثار التسلل الإسرائيلي والقصف المكثف حالة من الذعر الشديد بين المدنيين، مما سلط الضوء على خطورة العمليات الخاصة في المناطق المدنية المكتظة.
المراسل العسكري إيتاي بلومنتال أكد أن العرابيد يتلقى العلاج حالياً في أحد المستشفيات الإسرائيلية تحت حراسة مشددة، وأنه كان بكامل وعيه عند وصوله. وتأمل أجهزة الأمن الإسرائيلية أن يبدأ استجوابه فور استقرار حالته الصحية لاستخلاص معلومات حول ملف 'صراع الأدمغة' الدائر بين أمن المقاومة والاستخبارات الإسرائيلية.
وبحسب مصادر عسكرية، فإن إسرائيل قلصت في السنوات الأخيرة استخدام قواتها الخاصة في عمق القطاع، خاصة بعد فشل عملية خانيونس عام 2018. إلا أن الفوضى الناتجة عن الحرب الحالية وسيطرة الاحتلال على مساحات واسعة من الأراضي منحت أجهزته الأمنية مرونة أكبر في تنفيذ مثل هذه المداهمات المعقدة.
ويرى مراقبون أن لجوء الاحتلال لاستخدام الميليشيات المحلية يهدف إلى تقليل الخسائر البشرية في صفوف جنوده وتجاوز عقبات التسلل في المناطق التي لا تزال تحت سيطرة أمنية فلسطينية. وتنشط حالياً ميليشيتان على الأقل مواليتان لإسرائيل في مدينة غزة، وتقومان بمهام استخباراتية وعملياتية قذرة.
العملية تعكس أيضاً حجم الاختراق الذي تحاول إسرائيل تحقيقه في النسيج الاجتماعي والأمني لقطاع غزة عبر تمويل وتسليح مجموعات خارجة عن الإجماع الوطني. وتعتبر هذه الميليشيات جزءاً من استراتيجية إسرائيلية أوسع للسيطرة على القطاع في مرحلة ما بعد الحرب عبر وكلاء محليين.
من جانبها، حذرت فعاليات عشائرية ووطنية في غزة من مغبة التعاون مع الاحتلال، مؤكدة أن 'عملاء وجواسيس الاحتلال يجب أن يدفعوا الثمن'. وتأتي هذه التحذيرات في ظل تصاعد وتيرة العمليات التي تستهدف الكوادر الأمنية والوطنية التي تحاول الحفاظ على السلم الأهلي وملاحقة المتربصين بالجبهة الداخلية.
ختاماً، تظل قضية معين العرابيد مفتوحة على احتمالات عديدة، خاصة فيما يتعلق بمصير المعلومات التي يمتلكها. وبينما يحتفي الاحتلال بما يصفه بـ'الإنجاز الأمني'، تواصل مصادر المقاومة التأكيد على أن استهداف الكوادر الأمنية لن يثنيها عن مواصلة تطهير الجبهة الداخلية من محاولات التخريب الإسرائيلية.


