لمن يهمه الأمر.. وصال ابو عليا

الخميس 03 سبتمبر 2026 09:03 ص / بتوقيت القدس +2GMT
لمن يهمه الأمر.. وصال ابو عليا



صباح الخير،
ولمن يهمه الأمر، ولمن لا يعلم أين تقع المغير شمال شرق رام الله، هذه ليست مجرد قرية على خارطة، وليست خبرا عابرا في نشرة أخبار. هذه قرية يعيش نحو خمسة آلاف مواطن فيها كل يوم تحت سماء غائمة، ليس لأن الغيم لا يفارق سماءها، بل لأن ما تراكم في قلوب أهلها من خوف وحزن لم يعد يترك فيها متسعا لحزن جديد.

في المغير، حتى التقويم مختلف.
النهار والليل لم يعودا زمنين منفصلين؛ ما يحدث نهارا يحدث ليلا، وما يبدأ مع الفجر لا ينتهي عند المساء. منذ ثلاث سنوات، لم يعد الناس يعرفون معنى النوم الطبيعي، لكن الأشهر الأخيرة جعلت الخوف أكثر كثافة، وجعلت كل لحظة قابلة لأن تتحول إلى اقتحام أو رصاصة أو اعتقال أو اعتداء.

المواطنون يعيشون على أعصابهم.
الجيش لا يغادر القرية؛ ينتشر في شوارعها، يقتحم المنازل، يخلع أبوابها، ويدخل على أهلها بالسلاح والضرب. لم يعد البيت في المغير يعني الأمان. قد تكون العائلة مجتمعة داخله، وفجأة تسقط قنبلة غاز بينهم، فيتحول المكان الذي يفترض أن يحميهم إلى مساحة للاختناق والرعب. وبين الغاز والرصاص، لا يبقى للناس سوى أجسادهم يحاولون بها حماية أطفالهم وأنفسهم.

وفي كل مرة يخرج فيها ابن من البيت، تضع أمه يدها على قلبها وتنتظر عودته. لا تعرف إن كان سيعود كما خرج، أم سيعود مصابا، أم معتقلا، أم محمولا على أكتاف الآخرين.

ثم يأتي المستوطنون.
يهاجمون المنازل في كل لحظة، ويحظون بحماية جيش الاحتلال. لم يعد المشهد مجرد مستوطنين يعتدون وجيش يقف بعيدا؛ الجديد أن جيش الاحتلال بات يصطحب المستوطنين معه في مركباته العسكرية خلال اقتحام القرية.

وهنا يصبح المشهد أكثر قسوة من مجرد اعتداء.
الجيش والمستوطنون يبدون كأنهم قوة واحدة، تعيش في المغير، وتتحرك فيها، وتفرض عليها ليلها ونهارها.

كأن القرية لم تعد تقتحم؛ كأنها أصبحت محاصرة بقوة موجودة فيها طوال الوقت.

حتى الأشجار لم تسلم.
تقتلع الأشجار كما تقتلع البيوت، لأن الشجرة في هذه الأرض ليست مجرد خشب؛ إنها ذاكرة، ورزق، وامتداد لعائلة، وشاهد على أن أحدا كان هنا وسيبقى هنا.

وفي المغير عائلات تربي الأغنام وتعيش مما تنتجه. حياة بسيطة تقوم على الأرض وما تمنحه، وعلى تعب أصحابها وصبرهم. لكن الاحتلال يحمي المستوطنين حين يأتون لسرقة هذه الأغنام، وحين يحاول الأهالي الدفاع عن منازلهم ومصدر رزقهم، تكون النتيجة في كثير من الأحيان دما.

قناصة الاحتلال يعتلون أسطح المنازل، ينتظرون لحظة دفاع الأهالي عن بيوتهم وأغنامهم، فيرتقي الشهداء.

هكذا يصبح الدفاع عن البيت تهمة، وحماية الرزق مخاطرة بالحياة، والبقاء نفسه فعلا قد يدفع صاحبه ثمنه من دمه.

ولم تعد الاعتداءات تقتصر على المنازل.
على مدخل المغير، تتحطم المركبات على رؤوس من بداخلها بفعل اعتداءات المستوطنين. وهناك، على الحاجز الدائم، تبدأ حكاية أخرى من الإذلال.

العمال والموظفون الذين يكدون طوال الشهر ليحملوا رواتبهم إلى عائلاتهم قد تسرق رواتبهم قبل أن تصل إلى بيوتهم؛ يسرقها جنود الاحتلال على الحاجز الدائم عند مدخل القرية.

وذلك كله يحدث فقط عندما يسمح لهم أصلا بالخروج أو العودة.

فالحاجز قد يفتح لدقائق معدودة، وغالبا ما يكون مغلقا. يصبح الوصول إلى القرية أشبه بمحاولة عبور حدود لا تنتهي، ويصبح العودة إلى البيت مسألة مرتبطة بمزاج الحاجز لا بحق الإنسان في الوصول إلى منزله.

وعلى هذا الحاجز، تعرض المئات للضرب والشبح والإهانة.

المغير لا تعيش فقط تحت الحصار؛ إنها تعيش داخل منظومة كاملة من الضغط اليومي: حاجز يغلق الطريق، وجيش يقتحم المنازل، ومستوطِنون يهاجمون السكان، ورصاص يصيب الأجساد، وأغنام تسرق، وأشجار تقتلع، ورواتب تنتزع، واعتقالات تتواصل، ومركبات تتحطم على رؤوس أصحابها.

واليوم، في كل اقتحام لمنزل، لا يكاد أحد يكون بمنأى عن الضرب.

أطفال، رجال، نساء.
الجميع سواسية أمام أعقاب بنادق الاحتلال.
لم يعد السؤال في المغير: من المستهدف؟
السؤال أصبح: من بقي خارج دائرة الاستهداف؟

المئات أصيبوا في القرية، رجالا ونساء وأطفالا، وبعض الإصابات تركت أصحابها أمام حياة جديدة من الألم، بينها حالات بتر في الأطراف نتيجة الإصابات بالرصاص.

وفي الوقت نفسه، تنكمش مساحة الحياة نفسها.
كانت أراضي المغير تبلغ نحو 43 ألف دونم.
اليوم، لم يبق منها سوى نحو 980 دونما فقط، وهذه المساحة نفسها تتقلب من يوم إلى آخر، في مشهد يكشف أن المعركة ليست على بيت أو شارع أو شجرة فحسب، بل على حق القرية في أن تبقى موجودة على خريطتها.

أرض كانت تتسع لقرية كاملة، تضيق الآن حتى تكاد تختنق بأهلها.
حتى الباعة باتوا لا يدخلون المغير؛ يخشون اعتداءات المستوطنين. وبذلك لا يغلق الطريق أمام الإنسان وحده، بل تغلق معه أبواب السوق، والعمل، والحركة، والحياة.

هكذا تصنع العزلة خطوة خطوة.

تغلق المداخل، فيخاف الناس من الوصول.
يخاف الباعة من الدخول.
يحاصر العمال والموظفون.
تسرق الرواتب.
تهاجم المركبات.
تقتحم المنازل.
تخلع الأبواب.
ترمى قنابل الغاز داخل البيوت.
يضرب الرجال والنساء والأطفال.
تقتلع الأشجار.
تسرق الأغنام.
تتواصل الاعتقالات.
ويقف القناصة فوق الأسطح.

ثم يقال إن القرية تعيش في عزلة.
لكن العزلة هنا ليست قدرا طبيعيا.
إنها تصنع.

المغير اليوم تعيش حالة حصار وعزلة غير مسبوقة، حتى بات الوصول إليها أشبه بمعركة يومية.

معركة لكي تصل إلى بيتك.
معركة لكي تعود إلى عائلتك.
معركة لكي تحمي أغنامك.
معركة لكي تحافظ على شجرتك.
معركة لكي تحمل راتبك إلى أطفالك.
معركة لكي تخرج من القرية وتعود إليها.
ومعركة أكبر لكي تبقى.

وهنا تكمن الحقيقة الأكثر قسوة:
الهدف ليس فقط أن يخاف الناس، بل أن يتعبوا.
ليس فقط أن يصابوا، بل أن يفقدوا القدرة على الاستمرار.
ليس فقط أن تقتلع شجرة، بل أن يدفع الإنسان إلى اقتلاع نفسه بنفسه.

فالاقتلاع لا يبدأ حين يهدم البيت.
الاقتلاع يبدأ حين يصبح الطريق إلى البيت مستحيلا، وحين يصبح العمل خطرا، وحين يصبح الرزق معرضا للسرقة، وحين يخاف الأب على ابنه، والأم على طفلها، والراعي على أغنامه، والفلاح على شجرته، وحين يصبح الليل امتدادا للنهار في الخوف.

ومع ذلك، ما زالت المغير راسخة ومتجذرة.

نحو خمسة آلاف إنسان ما زالوا يعيشون هناك، رغم كل شيء.

ما زالت الأمهات ينتظرن أبناءهن.
وما زال الرعاة يخرجون إلى أغنامهم.
وما زال الفلاحون ينظرون إلى أشجارهم.
وما زالت البيوت، حتى بأبوابها المخلعة، تقول إن أصحابها هنا.
وما زالت القرية، رغم الحصار، ترفض أن تتحول إلى مكان بلا أهل.

لهذا يبدو أن المعركة الحقيقية ليست على المغير وحدها.
إنها معركة على معنى أن يكون للإنسان مكان يعود إليه.

فحين يحاصر المكان، يختبر الإنسان.
وحين تقتلع الشجرة، تختبر الذاكرة.
وحين يغلق الطريق، يختبر الحق في الوصول.
وحين يرعب الطفل، يختبر المستقبل.
وحين يدفع أهل القرية إلى الرحيل، يختبر معنى الوطن نفسه.

والمغير، بكل ما يحدث فيها، تقول شيئا واحدا:
نحن لا ندافع عن بضعة دونمات فقط؛ نحن ندافع عن حقنا في أن يكون لنا غد هنا.

هذه ليست كل حكاية المغير.

هذا جزء بسيط فقط مما يحدث كل يوم في قرية يحاصرها الاحتلال والمستوطنون، ويعيش أهلها تحت الخوف والرصاص والاعتداء والعزلة.

لكن ربما يكفي هذا الجزء الصغير لنسأل:

كم يجب أن يقتلع من الأرض؟
وكم يجب أن يصاب من الناس؟
وكم بيتا يجب أن تخلع أبوابه؟
وكم راتبا يجب أن يسرق؟
وكم شجرة يجب أن تقتلع؟
وكم أما يجب أن تضع يدها على قلبها كلما خرج ابنها؟
وكم مرة يجب أن يغلق الطريق أمام قرية كاملة؟

حتى يدرك من يهمه الأمر أن ما يحدث في المغير ليس حادثا عابرا، بل محاولة يومية لاقتلاع الإنسان من أرضه، ومن رزقه، ومن ذاكرته، ومن حقه في أن يعيش؟

المغير ليست قرية لا تنام.
المغير قرية يراد لها ألا تنام، كي تتعب من البقاء.
لكنها، حتى الآن، ما زالت هناك.
وهذا وحده، في زمن الاقتلاع فعل مقاومة.