رصد علماء فلك علامات واعدة تشير إلى أن كوكبًا يدور حول نجم على بُعد 49 سنة ضوئية من كوكبنا قد يحتوي على غلاف جوي، ما يعزز احتمالات أن يكون صالحًا للحياة. يُعرّف هذا الكوكب باسم LHS 1140b، وهو من فئة "الأرض الفائقة" إذ تبلغ كتلته حوالي خمسة أضعاف كتلة الأرض.
يدور الكوكب في ما يُطلق عليه "منطقة غولديلوكس" أو المنطقة الصالحة للسكن حول نجمه، حيث تتسم درجات الحرارة بالاعتدال، لا مرتفعة جدًا ولا منخفضة جدًا، ما يسمح بوجود المياه في صيغتها السائلة. قال كولين شيروبيم، عالم الكواكب والمؤلف الرئيسي للدراسة المنشورة في دورية Science في 16 يوليو/تموز: "نعتقد أنه كوكب صخري بشكل أساسي استنادًا إلى قياسات كتلته ونصف قطره، التي تزودنا بتقدير لكثافته".
أوضح شيروبيم أن البنية الجيولوجية للكوكب تشبه الأرض، حيث يحتمل أن يكون لديه نواة حديدية ووشاح من السيليكات، إلى جانب مكون منخفض الكثافة يُرجح أنه خليط من الماء والجليد. بيّن الباحث أنهم اكتشفوا أيضًا أن الكوكب يمتلك غلافًا جويًا. منذ رصد أول كوكب خارجي في تسعينيات القرن الماضي، تمكّن علماء الفلك من تحديد أكثر من 6200 كوكب خارج المجموعة الشمسية. في عام 2001، اكتشف تلسكوب هابل الفضائي أول دليل على غلاف جوي لكوكب غازي يدور حول نجم يبعد حوالي 150 سنة ضوئية.
إذا أكدت الملاحظات المستقبلية النتائج الحالية، سيصبح LHS 1140b أول كوكب صخري يمتلك غلافًا جويًا ويدور داخل المنطقة الصالحة للسكن حول نجم آخر. دراسة الأغلفة الجوية للكواكب الصخرية البعيدة تمثّل تحديًا كبيرًا، لأن هذه الكواكب صغيرة جدًا وأغلفتها الجوية رقيقة للغاية. يراقب علماء الفلك لحظات عبور الكوكب أمام نجمه، حيث يمر ضوء النجم عبر الغلاف الجوي، ما يكشف البصمة الكيميائية للغازات الموجودة فيه، بطريقة مشابهة لظاهرة الكسوف.
رغم عدم وجود أي دليل على حياة فعلية أو غلاف جوي صالح للحياة حتى الآن على LHS 1140b، يعتقد شيروبيم أنه يُمثّل أفضل مرشح للبحث عن دلائل على وجود حياة خارج الأرض. صرّح قائلًا: "أعتقد أنه أفضل مكان نبحث فيه عن الحياة خارج النظام الشمسي حاليًا. فهو كوكب صخري في معظمه، ودرجة حرارته مناسبة لوجود الماء السائل على سطحه، وهو يمتلك غلافًا جويًا، وهذه هي العناصر الثلاثة الأساسية التي نبحث عنها".
طوّر شيروبيم نموذجًا نظريًا يفترض أن عددًا من الكواكب تبدأ تشكلها برياح جوية غنية بالهيدروجين والهيليوم، وهما أكثر العناصر وفرة في الكون. مع تطور هذه الكواكب لتصبح أجسامًا صخرية، فإنها تفقد معظم الهيدروجين، لكنها تستطيع الاحتفاظ بالهيليوم لأنه أثقل قليلًا. باستخدام هذا النموذج، حدد الباحث الكواكب الخارجية التي تتطابق معاييراتها مع هذا السيناريو، ثم بحث عن وجود الهيليوم فيها.
في سبتمبر/أيلول 2024، باستخدام تلسكوب ماجلان كلاي في مرصد لاس كامباناس بتشيلي، رصد الفريق غاز الهيليوم وهو يتسرب من الكوكب LHS 1140b. قال شيروبيم: "عندما يفقد الكوكب الهيدروجين ويحتفظ بالهيليوم، فإنه يصبح أشبه بعالم من الهيليوم. نعتقد أن LHS 1140b يقع في هذه المرحلة، حيث فقد الهيدروجين لكنه احتفظ بالهيليوم الذي يتسرب الآن ببطء".
بينما الهيليوم وحده لا يدعم الحياة، يأمل العلماء في وجود غازات أخرى مثل الأكسجين. أضاف شيروبيم: "لم نرصد حتى الآن أي جزيئات أخرى في الغلاف الجوي، لكنني متفائل. أراهن أننا سنكتشف شيئًا آخر في النهاية".
النجم الذي يدور حوله LHS 1140b هو نجم قزم أحمر، وهو النوع الأكثر شيوعًا في الكون. الحجم الصغير والسطوع المنخفض للأقزام الحمراء يسهلان دراسة الأغلفة الجوية للكواكب المدارة حولها. لكن هذه النجوم لها جانب سلبي؛ وصفها شيروبيم بأنها "شرسة جدًا" لأنها أكثر نشاطًا من شمسنا، و"تصدر الكثير من الأشعة السينية والأشعة فوق البنفسجية، وهي سيئة جدًا للأغلفة الجوية لأنها تُسخّنها وتوسعها ثم تطردها إلى الفضاء".
يرى الباحثون أن إثبات وجود غلاف جوي حول كوكب صخري يدور حول قزم أحمر يُمثّل إنجازًا علميًا مهمًا، لأن العلماء لم يكونوا متأكدين من إمكانية حدوث ذلك. قال شيروبيم: "هل يمكن للكواكب الصخرية حول الأقزام الحمراء أن تمتلك أغلفة جوية؟ هذه أول إجابة مؤكدة بنعم. إنه أمر يبعث على الارتياح، لكننا لا نزال بحاجة إلى مزيد من الأدلة. ربما يكون هذا الكوكب حالة استثنائية، وربما يكون الأول بين كثير من الكواكب المشابهة".
خلال متابعة على امتداد سنة خلال العام 2025، لم يتمكن الفريق من رصد الهيليوم مجددًا. ترجح الدراسة أن معدل تسرب الهيليوم قد تغير، فأصبح أقل من قدرة الأجهزة على اكتشافه، غير أن شيروبيم وصف ذلك بأنه "لغز كبير" لا يزال العلماء يحاولون فهمه. سيبدأ الفريق جولة جديدة من الرصد في الخريف، كما تقدموا بطلب لاستخدام جهاز أكثر حساسية في تشيلي. كذلك سيشارك تلسكوب جيمس ويب الفضائي وتلسكوب هابل وعدة فرق بحثية أخرى في مراقبة الكوكب.
قال جايسون ديتمان، أحد مؤلفي الدراسة الذي قاد فريق اكتشاف الكوكب عام 2017: "بدأت أقلق من أن الأغلفة الجوية للكواكب الصخرية قد تكون نادرة، أو أن الأقزام الحمراء ليست مضيفًا جيدًا للكواكب. لذلك فإن العثور على مثال إيجابي يُعد أمرًا بالغ الأهمية. لقد كنا ننتظر مثل هذا الاكتشاف منذ سنوات".
وصفت آنا غليدن، الباحثة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، النتائج بأنها أقوى دليل حتى الآن على وجود غلاف جوي حول كوكب صخري يقع في المنطقة الصالحة للسكن. لكنها شددت على أن ملاحظات إضافية ضرورية لتأكيد النتائج وفهم سبب ظهور إشارة الهيليوم في الرصد الأول واختفاؤها في الرصد الثاني.
من جهته، وصف ميشيل جيون، مدير الأبحاث في وحدة أبحاث الأحياء الفلكية بجامعة لييج البلجيكية، الدراسة بأنها مثيرة، لكنه علّق بأن "إشارة الهيليوم تم رصدها مرة واحدة فقط، ولم تظهر في ملاحظات المتابعة عام 2025. لذلك ينبغي توخي الحذر قبل استخلاص استنتاجات نهائية بشأن طبيعة الغلاف الجوي. علينا أولًا التأكد من أن إشارة الهيليوم مرتبطة فعلًا بالكوكب ويمكن إعادة رصدها".
أشار جيون إلى أنه إذا تأكد وجود الهيليوم، فستكون لذلك آثار علمية عميقة، لأنه سيبرهن على أن بعض الكواكب الصخرية الواقعة في المنطقة الصالحة للسكن حول الأقزام الحمراء قادرة على الاحتفاظ بأغلفتها الجوية لمليارات السنين، رغم النشاط العنيف لنجومها في بداياتها. وأضاف أن ذلك سيعزز كثيرًا فرص العثور على عوالم صخرية قابلة للحياة بالقرب منا، وسيجعل الكوكب LHS 1140b أحد أهم أهداف تلسكوب جيمس ويب الفضائي والمراصد المستقبلية.


