أقرت وسائل إعلام إسرائيلية بنجاح استراتيجي وتاريخي أحرزته تركيا بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، من خلال إبرام اتفاقية ضخمة مع المملكة العربية السعودية لإعادة إحياء "خط سكة حديد الحجاز التاريخي" ونقل البضائع، وهو المشروع الذي تجاوز إسرائيل بالكامل وأصاب الدوائر السياسية والاقتصادية في تل أبيب بحالة من "الذعر" والصدمة.
وفي مقال تحليلي بارز نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، سلطت الضوء على اتفاقيات التعاون اللوجستي وبناء السكك الحديدية الموقعة بين أنقرة والرياض في 9 يونيو/حزيران الجاري، مؤكدة أن "أردوغان نجح مجدداً في تحويل الأزمات والكوارث الإقليمية المحيطة به إلى مكاسب جيوسياسية بعيدة المدى".
وكشفت الصحيفة العبرية أن المسار المخطط لخط السكة الحديدية الجديد خالٍ تماماً من أي مدينة أو نقطة إسرائيلية. وأوضحت أن الرياض، التي كانت قد تقاربت مع تل أبيب سابقاً لربط حركتها التجارية عبر "ميناء حيفا" ضمن مشروع "الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا" (IMEC) الذي أعلنه الرئيس الأمريكي الأسبق جو بايدن عام 2023، غيرت تفضيلاتها بالكامل واستدارت نحو تركيا نتيجة الحروب الإقليمية المستعرة.
وأكد التقرير أن مشروع (IMEC) المدعوم أميركياً -والذي كان يستهدف جعل إسرائيل مركزاً تجارياً لا غنى عنه في الشرق الأوسط- قد انهار تماماً ولم يتعافَ منذ حرب غزة والتوترات الإقليمية، ليحل محله مباشرة الممر "السعودي - التركي" ليكون خط الإمداد البديل والآمن.
يهدف المشروع الشامل الذي تبلغ تكلفته الاستثمارية 5.5 مليار دولار أمريكي (وحصل بالفعل على التزام مالي بقيمة 750 مليون دولار من بنك التنمية الآسيوي) إلى تأمين سلاسل التوريد الخليجية وتفادي مضيق هرمز الذي يعاني من الإغلاق والاضطرابات.
وينطلق من إسطنبول - يمر عبر سوريا (حلب ودمشق) - الأردن - معبر الحديثة الحدودي في السعودية. ويهدف إلى الامتداد مستقبلاً ليصل إلى سلطنة عُمان والمحيط الهندي.
ويختصر وقت شحن البضائع من 30 يوماً عبر البحر إلى أقل من أسبوعين برّاً.
وعقّبت الصحيفة بالقول: "بهذا الممر الذي يعيد إحياء الرؤية العثمانية، حققت تركيا منطقة نفوذ طاغية تمتد جغرافياً وسيليكونياً من مضيق البوسفور وصولاً إلى عمق البحر الأحمر".
وجاء في سياق المقال العبري نبرة اعتراف حادة بذكاء المناورة التركية، حيث كتبت "يديعوت أحرونوت":
"بينما كان الجيش الإسرائيلي يقاتل ويستنزف قواه على جبهات متعددة في غزة ولبنان وإيران، أمضى أردوغان هذه الفترة يفعل ما يجيده تماماً؛ تحويل الكارثة الإقليمية إلى مكسب استراتيجي كسر به العزلة وضمن ألا تكون تركيا هي الطرف المُستبعد هذه المرة".
واختتمت الصحيفة بالتحذير من أن التدفقات المليارية عبر شبكة القطارات التركية، وافتتاح البنوك التركية في دمشق، وحركة الشاحنات السعودية، ليست مجرد صفقات تجارية عابرة، بل هي صياغة عملية لأوتاد ونظام إقليمي جديد سيحكم الشرق الأوسط للعقد المقبل، مكرسةً مقولة: "أردوغان لم يعد إلى الساحة فحسب، بل أصبح هو الساحة نفسها".


