نتنياهو: ماذا بعد اغتيال عز الدين الحداد؟ مصطفى إبراهيم

الإثنين 18 مايو 2026 09:47 ص / بتوقيت القدس +2GMT
نتنياهو: ماذا بعد اغتيال عز الدين الحداد؟ مصطفى إبراهيم




في مقابلة مع قناة الجزيرة مباشر، سُئل القيادي في حركة حماس أسامة حمدان عن كيفية رد الحركة على اغتيال قائد كتائب القسام عز الدين الحداد، في ظل استمرار إسرائيل في سياسة الاغتيالات والتنصل من أي التزامات سياسية أو تفاوضية. وأجاب حمدان بأن الرد على استهداف القادة “لن يكتمل قبل زوال الاحتلال”، وأن الرد الحقيقي يتمثل في استمرار القيادات في الميدان ومواصلة مواجهة العدوان بالثبات والصلابة. وأضاف أن صمت بعض الأطراف، ولا سيما أولئك الذين يتحدثون عن ضرورة اللجوء إلى الحلول السياسية ويشاركون في جهود الوساطة، إزاء استمرار العدوان الإسرائيلي، لا يمكن وصفه إلا بأنه “نفاق سياسي”، داعياً هذه الأطراف إلى اتخاذ موقف واضح ووضع حد لهذا العدوان.

يعكس هذا الموقف، من جهة أولى، تجنباً للإجابة المباشرة عن محدودية قدرة حركة حماس على الرد الفوري على عملية الاغتيال، مع تحميل الوسطاء والقوى الدولية جزءاً من المسؤولية عن استمرار العدوان. ومن جهة ثانية، يكشف عن إدراك لدى الحركة بأن اغتيال القادة، مهما كان مؤلماً ومؤثراً، لا يعني نهاية حماس أو انهيار بنيتها التنظيمية والعسكرية، التي أظهرت خلال السنوات الماضية قدرة على إعادة ترتيب صفوفها واستمرار عملها رغم الخسائر الكبيرة.

لكن هذا الخطاب يعكس أيضاً واقعاً بالغ التعقيد؛ فالحركة تواجه ظروفاً قاسية وغير مسبوقة بعد استنزاف جزء كبير من قدراتها العسكرية، وتراجع هامش المناورة السياسية، في وقت تتصاعد فيه الضغوط الإسرائيلية والأميركية لفرض شروط تتعلق بنزع سلاحها وإعادة تشكيل المشهد السياسي والأمني في قطاع غزة. وفي ظل هذه المعادلة، تبدو حماس متمسكة بخيار الصمود والاستمرار، مع إدراكها أن قدرتها على الرد العسكري لم تعد منفصلة عن الحسابات السياسية والإنسانية المرتبطة بمستقبل الفلسطينيين في قطاع غزة.

تدّعي إسرائيل أنها نجحت في اغتيال عز الدين الحداد، الذي تصفه بأنه آخر القادة العسكريين الكبار الذين شاركوا في التخطيط لهجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. غير أن هذا الادعاء لا يعكس الواقع بدقة، إذ إن الحداد ليس الأخير في سلسلة القيادة العسكرية لحركة حماس، كما أشارت وسائل إعلام محلية ومصادر متعددة. ومع ذلك، جاء الإعلان الإسرائيلي مصحوباً بحملة دعائية واسعة قادها رئيس الوزراء  الاسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع  يسرائيل كاتس، اللذان سارعا إلى تقديم العملية بوصفها إنجازاً استراتيجياً كبيراً، في محاولة لتسويق نجاح تكتيكي محدود على أنه تحول حاسم في مسار الحرب.

غير أن ما حدث، على أهميته العسكرية والرمزية، لا يمثل نقطة تحول حاسمة في تحقيق اهداف الحرب بشكل كامل.  فمنذ اغتيال محمد الضيف ومروان عيسى، ثم يحيى السنوار ومحمد السنوار، لم تظهر مؤشرات تدل على أن الحركة مستعدة للتخلي عن سلاحها أو إجراء تغيير جوهري في موقفها السياسي. وعلى الأرجح، ستُعيَّن قيادة جديدة بسرعة، كما حدث في كل مرة سابقة.

الرسائل الاحتفالية التي أطلقها نتنياهو تعكس، في جوهرها، أكثر مما تخفي حالة المأزق التي تعيشها حكومته. فمنذ أكثر من عامين ونصف من الحرب، ما زال “النصر المطلق” الذي وعد به الإسرائيليين بعيد المنال. ولم تؤد العمليات العسكرية المتواصلة ولا الاغتيالات المتكررة إلى القضاء على حماس، أو استعادة جميع الأسرى الإسرائيليين، أو فرض واقع سياسي جديد في غزة.

ويرى عدد من المحللين الإسرائيليين أن ما يقدمه نتنياهو للرأي العام هو سلسلة من الإنجازات التكتيكية التي يجري تضخيمها وتسويقها باعتبارها إنجازات استراتيجية. لكن الحقيقة أن هذه النجاحات المحدودة لا تغير جوهر الأزمة. فحماس ما زالت قائمة رغم الضربات القاسية، والقطاع ما زال ساحة مفتوحة للاستنزاف، فيما تتزايد عزلة إسرائيل الدولية وتتسع الاتهامات الموجهة إليها بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية.

في هذا السياق، لا يبدو اغتيال الحداد سوى حلقة جديدة في سياسة إسرائيلية تقوم على الاعتقاد بأن تصفية القادة ستؤدي تلقائياً إلى انهيار الحركة. وهي سياسة لم تثبت نجاحها، رغم أن معظم قادة الصف الأول في الجناح العسكري قد اغتيلوا. صحيح أن حماس ما زالت تمتلك بنية تنظيمية قادرة على إعادة إنتاج القيادة واستمرار العمل، لكن من الواضح أيضاً أن قدراتها تراجعت بشكل كبير، وأن قدرتها على المبادرة والرد باتت أكثر محدودية.

ويتزامن الاغتيال مع استعدادات إسرائيلية لاستئناف الحرب على نطاق أوسع، رغم أن الحرب لم تتوقف فعلياً يوماً واحداً. ويترافق ذلك مع حديث متزايد عن عمليات تهجير قسري جديدة وتوسيع السيطرة العسكرية لتشمل نحو 70% من مساحة القطاع. إلا أن القرار النهائي لا يتوقف على نتنياهو وحده، بل يرتبط إلى حد كبير بحسابات الرئيس الأميركي دونالد ترامب وأولوياته الإقليمية، ولا سيما ما يتعلق بإيران.

في المقابل، يكشف رد أسامة حمدان عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي والواقع الإنساني الكارثي الذي يعيشه سكان قطاع غزة. فالإجابات العامة حول “استمرار المقاومة حتى زوال الاحتلال” لا تقدم تفسيراً مقنعاً للناس الذين يواجهون يومياً القصف والجوع والتهجير، ولا توضح كيف يمكن للحركة أن تتعامل مع التراجع الكبير في قدراتها العسكرية والسياسية، أو مع محدودية قدرتها على الرد على الجرائم الإسرائيلية المتواصلة.

في النهاية، لا يغير اغتيال عز الدين الحداد من الحقائق الأساسية. فهو يضيف اسماً جديداً إلى قائمة طويلة من القادة الذين اغتالتهم إسرائيل، لكنه لا يحقق الهدف الذي يسعى إليه نتنياهو: كسر إرادة حماس وفرض الاستسلام السياسي على الفلسطينيين، رغم ما تعانيه الحركة من ضعف وتراجع، ورغم قبولها السابق بوقف إطلاق النار وقرارات دولية هدفت إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

ويبقى السؤال الحقيقي ليس ماذا حققت إسرائيل باغتيال الحداد، بل ماذا سيفعل نتنياهو بعد ذلك. فكلما طال أمد الحرب، ازداد انكشاف حدود القوة العسكرية، واتضح أن الاغتيالات، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع وحدها أن تحسم صراعاً سياسياً وتاريخياً بهذا الحجم.

وبينما يواصل نتنياهو تسويق كل عملية اغتيال بوصفها خطوة نحو “النصر المطلق”، تتكشف حقيقة أكثر وضوحاً: إسرائيل تحقق انتصارات تكتيكية متفرقة، لكنها ما زالت غير قادرة  عن تحقيق نصر استراتيجي، أو فرض واقع سياسي مستقر، أو إنهاء صراع أثبت مرة أخرى أن الشعوب لا تُهزم بالاغتيالات وحدها.