رسمت مجلة "فورين بوليسي" صورة قاتمة لمستقبل قطاع غزة، واصفة الوضع الراهن بأنه مأزق سياسي وأمني كامل يهدد ببقاء المنطقة في حالة من عدم الاستقرار الدائم. وأشار التحليل الذي نشره الكاتب جون هالتيوانغر إلى أن الإدارة الأمريكية الحالية لم تنجح حتى الآن في تقديم رؤية واضحة لتجاوز حالة الجمود التي أعقبت إعلان وقف إطلاق النار الهش، مما جعل العملية السياسية تدور في حلقة مفرغة.
وسلط المقال الضوء على الأزمة المتفاقمة التي تواجه خطة السلام التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، خاصة بعد تمسك حركة حماس بموقفها الرافض لنزع السلاح قبل تحقيق انسحاب كامل لجيش الاحتلال الإسرائيلي من القطاع. هذا التعارض الجذري في الرؤى أدى إلى شلل تام في تنفيذ بنود الخطة الأمريكية المكونة من 20 نقطة، والتي تم الإعلان عنها في سبتمبر الماضي، مما وضع القطاع أمام حالة جمود خطيرة.
ووفقاً للتحليل، فإن تحدي نزع السلاح تحول إلى العقبة الكأداء التي تمنع أي تقدم ميداني، حيث تسيطر الحركة على أجزاء من القطاع بينما يواصل الاحتلال تواجده في مناطق واسعة أخرى. ويبدو أن الإدارة الأمريكية تفتقر إلى إستراتيجية بديلة للتعامل مع هذا الواقع، لا سيما مع انشغال واشنطن المتزايد بملفات إقليمية أخرى وعلى رأسها التصعيد مع إيران.
من جانبه، أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو على أن جوهر الاتفاق يرتكز بشكل أساسي على تجريد حماس من قدراتها العسكرية، معتبراً إياها القضية المركزية للحل. ورغم محاولات روبيو إشاعة أجواء من التفاؤل عبر الحديث عن وجود مؤشرات واعدة، إلا أن المعطيات على الأرض تشير إلى عكس ذلك تماماً، حيث ترفض حماس التخلي عن سلاحها إلا بعد استكمال مراحل الانسحاب الإسرائيلي.
الاتفاق بأكمله يعتمد على نزع سلاح حماس، لكن الواقع الميداني يناقض التفاؤل الأمريكي في ظل غياب إستراتيجية واضحة لتجاوز الجمود.
في المقابل، تتبنى الحكومة الإسرائيلية موقفاً متصلباً يرفض أي انسحاب عسكري قبل التأكد من نزع سلاح الفصائل الفلسطينية بشكل كامل، وهو ما يخلق فجوة من انعدام الثقة يصعب جسرها. هذا التناقض الصارخ في الشروط المسبقة جعل من المستحيل الانتقال إلى مراحل متقدمة من التسوية، مما يترك المدنيين في غزة يدفعون ثمن هذا الانسداد السياسي المستمر.
وعززت شيرا إيفرون، المسؤولة في مؤسسة "راند" الأمريكية، هذا الطرح بوصفها للوضع بأنه يتحرك خطوة للأمام مقابل خطوتين للخلف، مشيرة إلى غياب الإرادة الحقيقية لدى الأطراف المعنية. وترى إيفرون المقيمة في تل أبيب أن إسرائيل وحماس وحتى السلطة الفلسطينية لا يسعون فعلياً لنجاح الخطة بقدر ما يحاولون تجنب لوم الفشل وتحميله للطرف الآخر.
وكان من المفترض أن تدخل الخطة مرحلتها الثانية في يناير الماضي، والتي تتضمن تشكيل حكومة تكنوقراط انتقالية والبدء الفعلي في عمليات إعادة الإعمار الواسعة. إلا أن أياً من هذه الأهداف لم يجد طريقه للتنفيذ، حيث لم تبدأ الحكومة عملها ولم تنطلق عجلة الإعمار، رغم تنفيذ بعض الجوانب المحدودة من المرحلة الأولى المتعلقة بتبادل المحتجزين.
ومع استمرار هذا الشلل، تتصاعد التحذيرات الدولية والأممية من إمكانية انهيار الهدنة الهشة وعودة القتال بشكل أوسع وأكثر ضراوة. ويحذر مسؤولون في الأمم المتحدة من أن الفشل في حسم ملف نزع السلاح قد يؤدي إلى انفجار الأوضاع مجدداً، مما يضع غزة عند مفترق طرق حاسم يهدد بتجدد الصراع الشامل في أي لحظة.


