فتح في مؤتمرها: لحظة اختبار قد لا تتكرر ..جمال خالد الفاضي

الثلاثاء 05 مايو 2026 07:01 م / بتوقيت القدس +2GMT
فتح في مؤتمرها: لحظة اختبار قد لا تتكرر ..جمال خالد الفاضي



لنكن واضحين دون مواربة، أو تردد: ما يجري داخل حركة فتح اليوم، ليس صراعًا على برنامج، ولا تنافسًا على رؤية، بل إعادة ترتيب داخل نفس المنظومة التي أوصلت الحركة إلى هذا الانسداد.السؤال لم يعد: من سيفوز؟  بل: ماذا سيتغير؟ والإجابة، كما تبدو من القوائم المتداولة والمليئة بتكرار الأسماء، وأحياناً توريثها، ومن الأسماء التي تُعاد وتُقدّم، وكما توحي به طريقة إدارة المشهد: لا شيء.

نحترم الجميع، أسماءً ومكانةً وتاريخاً، لكنها في الحقيقة لا تعكس مرآتنا. فالاحترام لا يبني حركة، ولا يحرر وطنًا. المعيار ليس الانتماء، ولا التاريخ الشخصي، ولا الحضور الإعلامي. المعيار الوحيد يتمثل بالقدرة على إحداث تغيير. وهذه القدرة بوضوح  غائبةفي المشهد المطروح. ما نراه ليس ولادة جديدة، بل إعادة إنتاج دقيقة: نفس الآليات التي تقوم على الولاء لا الكفاءة، نفس شبكات الزبائنية التي تحدد من يصعد ومن يُقصى، نفس الخوف من الكفاءات الحقيقية التي يمكن أن تخلخل التوازن القائم.

الكفاءات لا تغيب صدفة، لكنها تُغيب عمدًا. لأن حضورها يفضح الفراغ، ويطرح بدائل، ويهدد من اعتادوا البقاء بلا مساءلة. في هذه المعادلة، لا تنفع الشهادات، ولا الخبرة، ولا حتى التاريخ النضالي.المطلوب ليس من يملك مشروعًا، أو يصيغ تصوراً أو يحمل رؤية، وربما الأكثر من يقول لا، بل المطلوب من يقبل بالواقع. وهنا، يجب أن يُقال ما لا يُقال: هذا المؤتمر، بصيغته الحالية، ليس أداة تغيير، بل أداة تثبيت واستنساخ لحالة لم تنتج إلا عقماً، لكن الاختبار الحقيقي لكل هذا لا يُقاس داخل القاعة، بل خارجها في غزة. غزة ليست ورقة انتخابية. ليست بندًا يُستخدم، ولا رقمًا يُضاف، ولا تمثيلًا شكليًا يُستدعى عند الحاجة.

غزة استحقاق تاريخي، بؤرة المشروع الوطني، وخزان الفعل حين غاب القرار. غزة لم تنتظر يومًا مؤتمرات لتكون في قلب المعركة،لكنها اليوم تُعامل وكأنها هامش. وعندما يُعقد المؤتمر بنفس الذهنية التي حكمت العقدين الماضيين، فهذا لا يعني إلا شيئًا واحدًا: أن غزة ما زالت خارج مركز القرار. عشرون عامًا من التهميش ليست تفصيلًا. قهر مناضلين، إقصاء كفاءات، ومستقبل يُدار بعقلية الجغرافيا والجهوية. وهنا تصبح المسألة أخطر من مجرد مؤتمر.نحن أمام إعادة تعريف لموقع غزة… ولكن بشكل معاكس. إما أن تعود غزة إلى مكانها الطبيعي، عنوانًا حقيقيًا في القرار، وإما أن يستمر التعامل معها كملف مؤجل، يُفتح عند الحاجة ويُغلق بعدها.

لكن الكارثة الحقيقية ليست في هذا فقط… بل في من يقبل أن يمثل غزة بهذه الصيغة. من يقبل أن يكون مجرد صوت ينتهي بانتهاء المؤتمر، لا يمثل غزة. من لا يدرك أن تمثيل غزة مسؤولية تاريخية،وأن الدفاع عنها يعني فرضها في قلب المعادلة، لا يستحق أن يحمل اسمها. غزة ليست مقعدًا أو كرسيِ متحرك، بل اختبار. ومن يسقط في هذا الاختبار، يسقط قيمياً قبل أن يسقط سياسيًا. اليوم، لم تعد المشكلة في الأسماء فقط، بل في نوعية الأسماء التي يُسمح لها بالصعود.

أسماء لا تقود التغيير، بل تستهلكه. وقود مرحلة، وعيدان كبريت، تشتعل سريعًا ثم تنطفئ، دون أن تترك أثرًا، إلا المزيد من الظلام.وهنا، لا بد من قول الحقيقة كما هي. هذه ليست فتح التي عرفناها.فتح التي كانت مشروعًا تحرريًا، أصبحت إطارًا إداريًا، والتي كانت طليعة، تحولت إلى إدارة أزمة دائمة. والتي كانت تقود، أصبحت تدير تراجعها.

ربما بقي الاسم والذي رأينا فيه يوماً محراباً للوطنيين، لكن الجوهر تغيّر. وهذا ما يجعل السؤال اليوم ليس تنظيميًا، ولا حتى سياسيًا فقط، بل وجوديًا. هل ما زالت هناك فتح يمكن استعادتها؟ أم أننا أمام بنية فقدت قدرتها على التجدد؟ هذه المرة، لا يكفي أن ننتقد. ولا يكفي أن نراقب. هذه لحظة قول الحقيقة. وغزة، قبل كل شيء،ليست ورقة. ومن يقبل أن تكون كذلك، ليس جزءًا من الحل، بل من المشكلة. وتذكّروا: كثير من الأسماء التي يًحتفى بها اليوم، وباستحقاق وجودها هي نفسها السطر الأول من الورقة. حينها يصبح كل شيء قابل للسقوط.