في هذا المقال، لا أسعى إلى استعادة الماضي بوصفه حنينًا، ولا إلى تكرار سرديات الهزيمة أو تبريرها، بل إلى نبش الذاكرة الجماعية بوصفها مادة للتحليل النقدي، ومحاولة إعادة التفكير في تاريخنا السياسي بطريقة منهجية مختلفة، تتجاوز القوالب الجاهزة والمواقف التي لم تعد صالحة لفهم الواقع ولا لصناعة المستقبل. لقد تحوّلت كثير من الأفكار والمواقف، التي نشأت في سياقات تاريخية محددة، إلى قيود ذهنية كبّلت قدرتنا على التفكير الحر، وجعلتنا أسرى منطق ردّ الفعل بدل الفعل، والتكيّف بدل المبادرة. ومع مرور الزمن، لم تعد المشكلة في غياب الحلول، بل في التمسك بأدوات تفكير لم تعد قادرة على إنتاج حلول خلاقة.
من هنا، تنبع الحاجة إلى توجيه النقاش العام والبحثي نحو أفق مختلف، يقوم على مساءلة المسلّمات، وتفكيك أنماط التفكير السائدة، وفتح المجال أمام تخيّل سياسي جديد، يثبت أن الانتقال إلى مربع آخر ليس وهمًا ولا مغامرة، بل خيارًا ممكنًا إذا توفرت الإرادة المعرفية والمنهجية.
إن ما نعيشه ليس قدرًا تاريخيًا محتومًا، بل هو نتيجة مباشرة لـ التسليم، والتكرار، وفشل التعلّم من التاريخ. فأزمتنا الحقيقية لا تكمن في قسوة الواقع وحده، بل في عجزنا عن تحويل التجربة التاريخية إلى معرفة سياسية منتجة. وكما أشار كارل ماركس، صاحب نظرية المادية التاريخية، فإن التاريخ لا يعيد نفسه إلا عندما تفشل المجتمعات في التعلم من مآسيها، فتتحول التجربة من مأساة إلى تكرار فارغ. من هنا، فإن استعادة الأمل لا تبدأ بالشعارات، بل بإعادة بناء العقل السياسي، وتحويل التاريخ من عبء يثقلنا إلى خبرة نتعلم منها وننطلق عبرها. ليس السؤال الحقيقي لماذا يتكرر التاريخ، فالتاريخ بطبيعته يعيد إنتاج أنماطه، وهذا أمر تعرفه كل الأمم، بل السؤال الأعمق: لماذا يتكرر معنا بلا تعلّم؟ ولماذا نشعر، بعد أكثر من قرن من الصراع، أن حركتنا داخله ليست إلا دوائر حلزونية مغلقة، تتبدل فيها التفاصيل بينما يبقى الجوهر ثابتًا؟
مرّ أكثر من مئة عام منذ إعلان بلفور. تغيّر العالم خلالها جذريًا: إمبراطوريات سقطت، وأنظمة دولية تشكّلت ثم أُعيد تشكيلها، وقوى كبرى صعدت وأخرى انحسرت. لكن في المقابل، بقيت أزمتنا الأساسية نحن على حالها، لم يتغير نمط تفكيرنا، ولا آليات عملنا، ولا طبيعة النخب التي تتصدر القرار، وكأن الزمن مرّ حولنا لا من خلالنا.
وهنا يظهر الفرق الجوهري بين مرور الزمن وتحوّل البنية: فالزمن لا يغيّر الأمم، وفق ما نبّه إليه مبكرًا ابن خلدون، مؤسس فلسفة العمران، وإنما ما يغيّرها هو قدرتها على إعادة بناء أفكارها ومؤسساتها وأدواتها، وتنظيم عمرانها السياسي والاجتماعي.
أحد أخطر أسباب هذا الدوران التاريخي يتمثل في ثبات النخبة السياسية، ليس بوصفه مسألة أشخاص، بل بوصفه آلية بنيوية تُعيد إنتاج نفسها عبر غياب المحاسبة، واحتكار التمثيل، وإغلاق المجال العام، وشرعنة الفشل تحت مسميات مختلفة. ففي المجتمعات الحية،تتجدد النخب عبر المؤسسات، وتتداول المعرفة، والمساءلة، ويتولد الصراع حول الأفكار، وليس حول الأشخاص. أما عندنا، فكأن الأمة لا تُنجب إلا الوجوه ذاتها، أو النسخ ذاتها بعناوين مختلفة. وهكذا لا يُعاد إنتاج الحل، بل يُعاد إنتاج الخطأ. وفي هذا السياق، يلفت المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي، في دراسته لنشوء الحضارات، إلى أن الحضارات لا تنهار بفعل التحديات الخارجية وحدها، بل عندما تفشل نخبها في الاستجابة لهذه التحديات بمرونة وتجديد.
تكتسب هذه الإشكالية بعدًا أكثر تعقيدًا في الحالة الفلسطينية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بتكرار تاريخي عام، بل بخصوصية ناتجة عن تداخل غير مكتمل بين مشروع تحرّر وطني، وبناء سياسي هش، وصراع طويل مفتوح بلا أفق. ففي ظل غياب الدولة، واستمرار الاحتلال، وتقطّع المسار السياسي، يصبح التعلّم من التجربة أكثر صعوبة، إذ تُدار كل مرحلة وكأنها استثناء دائم، لا كحلقة في مسار تراكمي.
وقد أدى هذا الواقع إلى إضعاف القدرة على تحويل الخبرة النضالية والسياسية إلى معرفة مؤسسية، حيث تبقى التجربة حبيسة الأشخاص لا المؤسسات، واللحظة لا الاستراتيجية، وردّ الفعل لا التخطيط. وبدل أن تُراكم الأجيال الفلسطينية خبراتها فوق ما سبقها، كثيرًا ما تبدأ من جديد، محمّلة بالإحباط ذاته، وبالأدوات ذاتها، وبالسقف نفسه من التفكير السياسي.
وهكذا، لا يتحوّل التاريخ الفلسطيني إلى رصيد تعلّم نقدي، بل إلى ذاكرة مثقلة بالرمزية والقداسة، يصعب مساءلتها أو تفكيك إخفاقاتها، خوفًا من المساس بشرعية النضال ذاته. غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في النقد، بل في غيابه؛ إذ إن تحرير الوعي السياسي الفلسطيني يبدأ بتحرير العلاقة مع تاريخه، لا الهروب منه ولا الارتهان له.
رسالتي، لفتح، حماس، وكل الفصائل، التاريخ لا يعاقب الأمم بالهزيمة، بل يعاقبها عندما ترفض تغيير أدواتها بعد الهزيمة. القوى الكبرى تغيّرت أسماءً وأشكالًا، لكنها لم تغيّر جوهر سياساتها: وعود متكررة، مشاريع مؤجلة، وقرارات أممية بلا تنفيذ. غير أن مشكلتنا الحقيقية لا تكمن في ثبات سياساتهم بقدر ما تكمن في ثبات طريقة تعاملنا نحن معها. نستقبل المتغيرات الدولية بعقلية قديمة، ونفاوض المستقبل بأدوات الماضي، ثم نتفاجأ أن النتائج لا تختلف.
لسنا أمة بلا ذاكرة، بل أمة بلا قراءة نقدية لذاكرتها. نستحضر الماضي إما للبكاء، أو للتمجيد، أو للتبرير، لكننا نادرًا ما نستخدمه بوصفه مختبرًا للأخطاء. فالتعلّم من التاريخ لا يعني تكرار شعاراته، بل تفكيك إخفاقاته: لماذا فشلت هذه التجربة؟ ولماذا نجحت تلك؟ وما الذي تغيّر في العالم ولم يتغيّر فينا؟. فالذاكرة التي لا تُخضع للنقد، كما يشير بول ريكور، المهتم بعلاقة الذاكرة بالتاريخ، إلى دور السرد في تشكيل وعي المجتمعات بذاتها وبماضيها، والتي قد تتحول من مصدر للفهم إلى عائق يمنع التعلّم.
يُقال إن التاريخ لا يعيد نفسه، بل يتقدم حلزونيًا. غير أن هذا التقدّم يفترض شرطًا أساسيًا: وجود تقدّم فعلي في الوعي والبنية. أما إذا بقي الوعي جامدًا، فإن الحلزون يتحول إلى دائرة مغلقة، نعود فيها إلى النقطة ذاتها، لكن بخسائر أكبر وتكلفة أعلى. نحن لا نعاني من لعنة تاريخية، بل من غياب مشروع معرفي وسياسي وأخلاقي للتعلّم. وكسر هذه الحلقة لا يبدأ بقرار سياسي فقط، بل بـ: تغيير طريقة التفكير، إعادة تعريف النخبة، بناء مؤسسات لا أشخاص، والاعتراف بأن الماضي ليس مقدسًا، بل مادة للفهم والنقد عندها فقط، يتحول التاريخ من دائرة تكرر الهزيمة إلى حلزون يصنع التقدم.
المأساة ليست أن يتأخر النصر، بل أن نفشل في فهم الهزيمة، فنكررها ونحن نظن أننا نصمد


