الاسم، البطولة، وكلفة السردية ..جياب أبو صفية

الخميس 12 فبراير 2026 09:39 ص / بتوقيت القدس +2GMT




في ديسمبر 2006، وأثناء دراستي في لندن، دخلت مطعما فيتناميا لأجرب الطعام للمرة الأولى. سألت النادل إن كان فيتناميا، وحين أجاب بالإيجاب، أخبرته بحماس أن اسمي “جياب”، على اسم الجنرال الذي قاد حروب تحرير فيتنام ضد الاحتلالين الفرنسي ثم الأميركي.
صمت. لم يبدِ دهشة ولا اعتزازا. اكتفى بنظرة قصيرة، ثم انتقل إلى أخذ طلبي. في ذلك الوقت لم أفهم تلك النظرة. اليوم أفهمها.

اسمي جياب، وهو اسم اختاره والدي بوعي كامل أثناء وجوده في السجن الإسرائيلي في ثمانينيات القرن الماضي. لم يكن الاختيار عاطفيا أو اعتباطيا، بل فعلا فكريا وسياسيا في سياق عزلة قسرية، حيث تتحول الأسماء إلى أدوات لحفظ المعنى والذاكرة. رافقتني فيتنام منذ الطفولة بوصفها مرجعا رمزيا حاضرا في الاسم قبل أن تكون فكرة مدروسة. غير أن الأسئلة الجدية حول السردية لم تتبلور لدي إلا بعد حرب غزة، وما تبعها من محاولات متكررة لإسقاط نماذج تاريخية بطولية جاهزة على واقع مختلف جذريا.

غالبا ما تُستحضر فيتنام كنموذج لانتصار السردية على القوة العسكرية. غير أن هذا الاستحضار يتجاهل الكلفة الإنسانية الهائلة التي دفعتها المجتمعات لتحقيق ذلك “الانتصار”. انتصرت سردية سياسية، لكن عبر استنزاف طويل للمجتمع نفسه. هذا التوتر بين النتيجة والكلفة هو ما يستحق التفكير، لا التمجيد ولا الإدانة المبسطة.

حين عدت لاحقا إلى سيرة الجنرال “جياب”، لم أبحث عن القائد فقط، بل عن الثمن الذي دُفع باسمه. عندها فقط بدأت أفهم تلك النظرة في مطعم لندن. لم تكن رفضا، بل إدراكا بأن بعض الأسماء لا تُستحضر بوصفها انتصارا، بل بوصفها اختزالا لتجربة إنسانية مركبة، غالبا ما تُروى من الأعلى، بينما تُهمّش أصوات من دفعوا كلفتها.

من هنا، لا أتعامل مع فيتنام كنموذج يُستنسخ، بل كتجربة تاريخية تُقرأ نقديا. الدفاع عن الرواية لا ينبغي أن يكون مشروطا بقبول التضحية غير المحدودة، ولا بتحويل المعاناة إلى أداة إثبات. ربط مشروعية السردية بحجم الخسائر البشرية يحتاج اليوم إلى مراجعة أخلاقية جادة.

في السياق الغزاوي، لا تكمن المسألة في إنتاج سردية منتصرة بأي ثمن، ولا في الدخول في سباق مع روايات أخرى. ما يهم هو تثبيت حق الشهادة والتوثيق. التاريخ يُظهر أن السرديات التي تصمد ليست تلك التي تُفرض كنماذج جاهزة، بل تلك القادرة على الارتباط بسياقاتها الواقعية والإنسانية.

اليوم، أصوات من يدفعون الثمن حاضرة في فضاء عام مفتوح، بفعل أدوات توثيق عابرة للحدود. هذا الحضور لا يمنح تفوقا أخلاقيا تلقائيا، ولا يحصّن الشهادة من التوظيف. لكنه يكسر احتكار الحديث باسم الضحية، ويقلّص المسافة بين الحدث ومن يرويه. التكنولوجيا لا تنقل الحدث فقط، بل تحفظه، وتحوّله إلى أرشيف مفتوح، مادة للفهم والمساءلة، لا للمواجهة الخطابية.

قد يبدو أن هذه اللحظة تمهد لحرب سرديات واسعة. غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في تعدد الروايات، بل في تحويل الشهادة إلى أداة صراع. حين تُدفع أصوات من يدفعون الثمن إلى موقع “الطرف”، تُختزل تجربتهم إلى حجج، ويُعاد تجريدها من بعدها الإنساني.

ما نحتاجه ليس سردية غالبة، ولا انتصارا رمزيا، بل إطارا أخلاقيا يحمي الشهادة من الاستهلاك، ويضع الإنسان في مركز الرواية، لا بوصفه دليلا ولا رمزا ولا وقودا. بهذا المعنى، لا يتعلق الأمر بالانتصار في معركة سرديات، بل بتطوير طريقة أكثر إنسانية لرواية التجربة، تحفظ الذاكرة دون أن تصادر أصحابها.