هل تضيق الإمارات ذرعاً بمواقف غوارديولا تجاه غزة؟

الخميس 12 فبراير 2026 08:25 ص / بتوقيت القدس +2GMT
هل تضيق الإمارات ذرعاً بمواقف غوارديولا تجاه غزة؟



سما / وكالات /

يواصل المدرب الإسباني بيب غوارديولا استثمار منصته العالمية في نادي مانشستر سيتي الإنجليزي لتسليط الضوء على المعاناة الإنسانية في قطاع غزة. ولا يكاد يمر مؤتمر صحفي دون أن يفتح غوارديولا الباب للحديث عن مأساة الفلسطينيين، متجاوزاً القيود المفروضة على المحتوى الداعم للقضية في وسائل الإعلام التقليدية والمنصات الرقمية.

تأتي هذه المواقف في وقت حساس، حيث يعمل غوارديولا تحت إدارة إماراتية يترأسها منصور بن زايد آل نهيان. هذا الوضع يثير تساؤلات مشروعة حول مدى رضا القيادة الإماراتية عن هذه التصريحات، خاصة في ظل الحسابات السياسية المعقدة والتوجهات الدبلوماسية الحالية للدولة في المنطقة.

يرى مراقبون أن غوارديولا يمثل نموذجاً فريداً للشخصية الرياضية التي توظف شهرتها في المكان الصحيح لنصرة المظلومين. فهو يجهر بالحقيقة التي يتجنبها الكثيرون خوفاً على مناصبهم أو امتيازاتهم المادية، مما يجعله في مواجهة مباشرة مع نفوذ يحاول طمس الرواية الفلسطينية.

خلال العام الماضي، منحت جامعة مانشستر غوارديولا درجة الدكتوراة الفخرية، وهي المناسبة التي استغلها لإلقاء خطاب مؤثر حول حماية الأطفال. وأكد حينها أن الأمر لا يتعلق بالأيديولوجيا بل بحب الحياة، معبراً عن خوفه الشديد كأب عند رؤية صور القصف الذي يستهدف المستشفيات والأطفال في غزة.

استخدم المدرب الإسباني استعارة 'العصفور الصغير' الذي يحاول إطفاء حريق الغابة بمنقاره ليؤكد على أهمية المساهمة الفردية مهما كان حجمها. وشدد على أن الصمت أمام هذه الفظائع ليس خياراً، محذراً من أن تجاهل معاناة الآخرين قد يؤدي يوماً ما إلى وصول الكابوس إلى الجميع دون استثناء.

على الصعيد الرياضي، تزامنت شجاعة غوارديولا في التعبير عن مواقفه مع تراجع نسبي في نتائج الفريق خلال الموسم الماضي. ورغم تحقيقه لأكثر من 18 لقباً مع النادي السماوي، إلا أن الخروج من دوري أبطال أوروبا أمام ريال مدريد أثار تكهنات حول مستقبله ومدى تأثير مواقفه السياسية على استقراره الفني.

تاريخ غوارديولا لم يخلُ من الجدل، حيث لاحقته اتهامات بالعنصرية من نجوم أفارقة مثل صامويل إيتو ويايا توريه في فترات سابقة. إيتو ادعى سابقاً أن المدرب يكره أصحاب البشرة السمراء، وهي التهمة التي انتشرت بشكل واسع رغم اعتذار توريه عنها لاحقاً وتوضيح الحقائق من أطراف أخرى.

قوة الإنسان لا تُقاس بحجمه، بل بخياراته، وبحضوره، وبرفضه البقاء صامتاً.

إلا أن مواقف غوارديولا الأخيرة تجاه فلسطين ساهمت في تغيير هذه الصورة النمطية، خاصة في الشارع العربي والإسلامي. فقد نجح في كسب تعاطف واسع، مما دفع فريق 'غزة الإرادة' لمبتوري الأطراف لاختياره مدرباً شرفياً لهم تقديراً لمواقفه الإنسانية الثابتة.

كما حرص غوارديولا على دعم مبادرات فعلية على الأرض، من بينها المساهمة في تنظيم مباراة خيرية بين المنتخب الفلسطيني ومنتخب كتالونيا. هذه الخطوات عززت من مكانته كشخصية عالمية تتجاوز حدود كرة القدم لتلامس القضايا الإنسانية الجوهرية برفضه البقاء صامتاً.

في المقابل، تبرز التساؤلات حول كيفية تعامل الإدارة الإماراتية مع هذا 'الموظف' الذي يغرد خارج السرب الرسمي. فبينما تتوثق العلاقات بين الإمارات والاحتلال الإسرائيلي في مجالات عدة، يواصل غوارديولا إطلاق سهامه الحادة ضد السياسات التي تستهدف المدنيين في غزة.

إعلان غوارديولا المسبق عن نهاية مسيرته مع مانشستر سيتي في عام 2027 قد يكون منح الإدارة فرصة للتريث في اتخاذ أي إجراءات حاسمة. فالنادي يخشى الإساءة لصورته العالمية إذا ما ارتبط رحيل مدربه الأسطوري بمواقفه الداعمة لفلسطين، مما قد يسبب 'خدوشاً' إضافية لسمعة النادي.

تشير تسريبات من داخل أروقة النادي إلى أن المفاوضات بدأت بالفعل مع الإيطالي إنزو ماريسكا، مدرب تشيلسي السابق، ليكون البديل المحتمل. ويبدو أن هذه التحركات تأتي كجزء من ترتيبات المرحلة الانتقالية التي تلي عهد غوارديولا الذهبي المليء بالبطولات والجدل السياسي.

يبقى السؤال قائماً حول قدرة القيادة الإماراتية على مواصلة سياسة ضبط النفس تجاه تصريحات فيلسوف كرة القدم. فالضغوط قد تتزايد مع تصاعد حدة الأحداث في الأراضي الفلسطينية، ومع استمرار غوارديولا في تحويل كل منصة رياضية إلى منبر للمطالبة بالعدالة.

إن الأيام المقبلة ستكشف ما إذا كانت العلاقة بين الطرفين ستصل إلى طريق مسدود قبل الموعد المحدد لرحيله. فالمعركة بين المبادئ الإنسانية والالتزامات الوظيفية بلغت ذروتها، وغوارديولا يبدو مصمماً على أن يختم مسيرته في مانشستر وهو متمسك بخياراته الأخلاقية.