قراءة نقدية في مسودة الدستور المؤقت لدولة فلسطين (2026) ..جمال خالد الفاضي

الأربعاء 11 فبراير 2026 02:15 م / بتوقيت القدس +2GMT
قراءة نقدية في مسودة الدستور المؤقت لدولة فلسطين (2026)  ..جمال خالد الفاضي



تنطلق هذه القراءة لمسودة الدستور المؤقت لدولة فلسطين من خلفية أكاديمية في العلاقات الدولية، لا من تخصص قانوني دستوري تقني. ومن هذا المنطلق، لا تسعى هذه المقاربة إلى تقديم تحليل فقهي للنصوص أو مناقشة تفاصيلها التشريعية الدقيقة، بقدر ما تهدف إلى فحص المسودة بوصفها وثيقة سياسية–دستورية تؤدي وظائف تتجاوز الإطار القانوني الصرف. فالدساتير، خاصة في السياقات الانتقالية وتحت الاحتلال، لا تُعد مجرد أدوات تنظيم داخلي للسلطات، بل تمثل أيضًا:  إعلانًا سياسيًا موجّهًا إلى المجتمع الدولي، وإطارًا ناظمًا للعلاقة بين السلطة والشعب، ورسالة سيادية تعكس تصور الدولة لذاتها ولموقعها في النظام الدولي.

ومن هذا المنظور، تركز هذه القراءة على كيفية ترجمة المبادئ الدستورية إلى توازنات فعلية للسلطة، وعلى مدى اتساق النص مع متطلبات الشرعية الدولية، ومعايير الحكم الرشيد، ومنطق إدارة المراحل الانتقالية. وهي قراءة نقدية بنّاءة، لا تدّعي الإحاطة القانونية الشاملة، لكنها تسعى إلى الإسهام في النقاش العام حول وثيقة يفترض أن تكون ملكًا للنقاش المجتمعي الواسع، لا حكرًا على الاختصاصيين وحدهم.

من هنا، تمثل مسودة الدستور المؤقت لدولة فلسطين لعام 2026 وثيقة سياسية–قانونية بالغة الأهمية، ليس فقط لكونها محاولة لتأطير النظام الدستوري الفلسطيني في مرحلة انتقالية حساسة، بل لأنها تسعى كذلك إلى إعادة تعريف العلاقة بين السلطة، والشعب، والحقوق، والسيادة، في سياق تحرري معقّد ما زال خاضعًا للاحتلال. ومن هذا المنطلق، فإن مقاربة هذه المسودة لا ينبغي أن تنطلق من زاوية القبول أو الرفض المطلق، بل من منظور نقدي بنّاء يوازن بين قوة الرؤية من جهة، وتحديات الصياغة والتنفيذ من جهة أخرى.

تحمل المسودة رؤية سياسية وأخلاقية متقدمة، تتجلى بوضوح في ديباجتها التي تربط بين النضال الوطني الفلسطيني، والشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة، ومبادئ حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية. وقد نجحت الديباجة في تقديم فلسطين بوصفها دولة تسعى إلى الديمقراطية، وسيادة القانون، والتعددية، مع الحفاظ على عمقها العربي والديني والتاريخي، دون إقصاء أو تمييز. ومن الناحية الدستورية، تصلح هذه الديباجة لتكون مرجعًا تفسيريًا مهمًا للقضاء الدستوري في المستقبل.

ويُعد باب الحقوق والحريات من أقوى أبواب المسودة وأكثرها نضجًا، إذ يتبنى مقاربة شمولية لحقوق الإنسان، تشمل الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية. كما يكرّس مبدأ المساواة وعدم التمييز بصيغ واضحة، ويحظر صراحة التعذيب والاعتقال التعسفي والعقوبات الجماعية، ويواكب تطورات حديثة عبر تضمين الحقوق الرقمية وحماية البيانات. وتحسب للمسودة مواءمتها الواضحة مع الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، واعتبار هذه الحقوق غير قابلة للانتقاص إلا ضمن شروط صارمة تتوافق مع المعايير الدولية.

وعلى الرغم من قوة المضمون، تعاني المسودة من ضعف ملحوظ في الصياغة اللغوية والدقة المصطلحية. ويتجلى ذلك في أخطاء إملائية ونحوية متكررة، وفي اضطراب استخدام بعض المصطلحات الدستورية دون ضبط دقيق للفروق بينها. ويبرز هذا الخلل بشكل خاص في الخلط بين مفاهيم الدولة والسلطة والحكومة، ولا سيما في الديباجة (الصفحات 3–5) وفي المواد (1، 2، 9، 11). فعلى سبيل المثال، تنص المادة (9) على أن الشعب الفلسطيني هو مصدر السلطات، ثم يُشار لاحقًا إلى ممارسة السيادة من خلال السلطة دون تحديد ما إذا كان المقصود هو السلطة التنفيذية، أم النظام السياسي ككل، أم كيانًا انتقاليًا. ويؤدي هذا الالتباس إلى إرباك تفسير مفهوم السيادة، وتحديد الجهة المخولة باتخاذ القرار السيادي، والمسؤولية الدستورية عند نشوء النزاعات.

كما يظهر اضطراب مفاهيمي في المصطلحات الدينية والدستورية، خاصة في ما يتعلق بالعلاقة بين الدين والدولة. فبينما تنص المادة (3) على حماية التعدد الديني والمقدسات المسيحية، تنص المادة (4) على أن الإسلام دين الدولة، وأن مبادئ الشريعة مصدر للتشريع، دون تعريف دقيق لمدى إلزامية هذه المبادئ أو لطبيعة علاقتها بالقوانين المدنية والحقوق الأساسية. وقد يفضي هذا الغموض إلى تضارب في التفسير بين المحاكم المدنية والمحاكم الدستورية بشأن أولوية النصوص.

ويُلاحظ كذلك استخدام غير منضبط لعبارات مثل: الحقوق الأساسية، والحقوق العامة، والحقوق الدستورية، والحقوق غير القابلة للتصرف، في المواد (8، 23، 26، 28، 71)، وكأنها مترادفات، رغم اختلافها الدستوري. فليست كل الحقوق العامة غير قابلة للتقييد، وليست كل الحقوق الدستورية مطلقة. ويترتب على هذا الخلط إضعاف معايير الرقابة على دستورية القوانين، وإرباك اختبار الضرورة والتناسب عند تقييد الحقوق.

ويزداد هذا القلق في ظل غياب تعريف دستوري دقيق لحالات الطوارئ في المواد (30، 71)، إذ يكتفي النص بالإشارة إلى تقييد الحقوق وفقًا للقانون أو لضرورات الأمن، دون تحديد ماهية حالة الطوارئ، أو الجهة المخولة بإعلانها، أو مدتها، أو آليات الرقابة عليها. ويُعد هذا الغياب مدخلًا خطيرًا للتوسع في الصلاحيات التنفيذية على حساب الحقوق والحريات، في غياب ضمانات دستورية مانعة.

وتتفاقم الإشكالية بسبب وجود أخطاء لغوية ومصطلحية مباشرة، لا سيما في الديباجة (الصفحات 3–6) وفي المواد (30–36) و(41–47)، مثل جُمل غير مكتملة، أو كلمات مشوهة أو مكررة، أو تراكيب تحتمل أكثر من معنى. وهذا الخلل ليس مسألة شكلية، بل يحمل أثرًا قانونيًا مباشرًا، إذ إن أي غموض لغوي في النص الدستوري قد يفتح الباب لتفسيرات متناقضة، ويُضعف قابلية النص للتطبيق القضائي السليم.

أما على صعيد توازن الصلاحيات بين رئيس الدولة والحكومة، فتُظهر المواد (73–85) المتعلقة برئيس الدولة، والمواد (80–84) المتعلقة بتشكيل الحكومة والثقة وحل البرلمان، تمتع رئيس الدولة بصلاحيات واسعة. ورغم توصيف النظام بوصفه نظامًا ديمقراطيًا نيابيًا، فإن بنيته الفعلية تميل إلى نظام شبه رئاسي غير منضبط، في ظل غياب آليات واضحة تكفل التوازن بين السلطات وتمنع تركّز الصلاحيات التنفيذية.

وفي ما يتعلق بآليات الرقابة على السلطة التنفيذية، تكتفي المسودة، في المواد (17، 21، 22) الخاصة بالشفافية والمساءلة، والمادة (62) المتعلقة بالتقاضي، بتقرير المبادئ العامة، دون تحديد أدوات الرقابة، أو إجراءاتها، أو آثارها الملزمة. وهو ما يجعل هذه الرقابة ذات طابع إعلاني أكثر منها إجرائيًا وفعّالًا. كما يُلاحظ تكرار بعض المبادئ الأساسية، مثل الكرامة الإنسانية وسيادة القانون، بصيغ متعددة في أكثر من مادة، وكان بالإمكان اختصار ذلك عبر الإحالة أو الدمج، بما يعزز التركيز والوضوح.

إن الدساتير، ولا سيما في المراحل الانتقالية، لا تُختبر بحسن نواياها، بل بقدرتها على منع تغوّل السلطة في لحظات الأزمات. ويُفترض في الدستور، حتى وإن كان مؤقتًا، أن يرسم حدودًا واضحة تمنع تركز السلطة أو تضارب الاختصاصات. وفي هذا السياق، تُظهر المسودة طموحًا دستوريًا عاليًا، قد يفوق في بعض جوانبه ما تحتمله مرحلة انتقالية ما زالت خاضعة للاحتلال، خاصة مع الإفراط في التفصيل في باب الحقوق، حيث كان من الأجدى الاكتفاء بالمبادئ العامة وترك الجوانب التنظيمية للقوانين اللاحقة.

وفي المحصلة، تمثل مسودة الدستور المؤقت لدولة فلسطين خطوة متقدمة وشجاعة نحو بناء نظام دستوري ديمقراطي حديث، يعكس تطلعات الشعب الفلسطيني للحرية والعدالة والسيادة. غير أن نجاح هذه الوثيقة يظل مرهونًا بمقارنة جادة مع تجارب دستورية عربية ودولية، وبوضوح أكبر في توزيع الصلاحيات والآليات التنفيذية. فالدساتير لا تُقاس فقط بجمال المبادئ التي تحملها، بل بقدرتها على الصمود، والتطبيق، وحماية الحقوق في أصعب الظروف.